أجاب الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، عن سؤال هام حول كيفية تحقيق السكينة والطمأنينة من خلال الصلاة، موضحًا أن الصلاة ليست مجرد حركات روتينية، بل هي منطقة الأمان والراحة الروحية للعبد.
وقال الأبيدي، خلال حلقة برنامج “سكينة”، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت: «أيها السائر في دروب الحياة، إذا أثقلت كاهلك الصراعات وضاقت عليك الأرض بما رحبت، فالسكينة هي الهبة الربانية التي إذا نزلت على القلب صار الضيق اتساعًا والفقر غنى، والوحشة أنثى، وهي متاحة لمن يحرص على الانغماس في حضرة القرآن واتباع خطوات الصحابة والتابعين».
وأوضح الأبيدي أن الخشوع في الصلاة ليس عبقًا إضافيًا، بل هو المصعد الذي ينقل الإنسان من ضيق الدنيا إلى سكون الملكوت، مستشهدًا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يلجأ إلى المحراب في شدائد الحياة، ويقول لبلال رضي الله عنه: «ارحنا بها يا بلال»، مؤكدًا أن الصلاة كانت بالنسبة له «منطقة الراحة الكاملة» لحضوره مع ربه. وأضاف أن الصحابة الكرام كانوا يعيشون رهبة حضرة الله أثناء وضوئهم وصلاتهم، فكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا توضأ يصفر لونه وترتعد فرائضه لشدة إدراكه لعظمة من يقف بين يديه، ما كان يحول خوفه إلى سكينة داخلية عجيبة.
وقدم الأبيدي تمرينًا عمليًا لتحويل الصلاة من عادة إلى عبادة وسكينة، مؤكدًا على ثلاث خطوات أساسية: الأولى قبل الصلاة، وهي التوقف أمام القبلة وأخذ نفس عميق ثلاث مرات، والتركيز على ترك الدنيا خلفك والتوجه إلى خالق الكون. الثانية خلال الصلاة، اختيار آية قصيرة يحبها الإنسان وتكرارها ببطء شديد مع استشعار سماع الله له. والثالثة في السجدة الأخيرة، البقاء فيها لمدة 30 ثانية إضافية بصمت تام، مستشعرًا القرب الجسدي من الأرض والقرب الروحي من السماء، طالبًا السكينة بقلب حاضر.
وأشار الأبيدي إلى أن الصلاة تعمل على تهدئة الدماغ ووقف تشتته بين ندم الماضي وقلق المستقبل، مما يقلل هرمون الكورتيزول ويمنح الإنسان صفاءً داخليًا. وأضاف أن السجود العميق يسمح بتفريغ الانفعالات وشحن الروح بما يفوق الوصف، وأن من لا يجد راحة في الصلاة فليعلم أن قلبه مشغول بغير الله.
وأكد الأبيدي أن الفرق في حرف واحد بين قول النبي صلى الله عليه وسلم «ارحنا بها يا بلال» و«ارحنا منها» يغير حياة الإنسان، فالصلاة هي الوطن الذي تهرب إليه حين تشعر بالغربة وسط أهلك ومالك. وأضاف: «لا تسجد لتفرغ ذمتك، بل اسجد لتفرغ قلبك من أثقاله».
ودعا الأبيدي، لتجربة الصلاة وكأنها آخر صلاة على الأرض، مؤكدًا أن هذا التمرين يشرق بالسكينة في قلب الإنسان ويجعله يعيش تجربة روحانية مميزة لا تضاهى، فالصلاة هي المنقذ الآمن الذي لا تصل إليه رسائل العمل ولا ضوضاء الشوارع، بل هو حضن رباني يعيد للقلب هدوءه وسكينته.

تعليقات