الظهران تتحول إلى أيقونة المدن الذكية بنظام آمر وإنترنت الأشياء وإدارة 100 خدمة متكاملة
يسرد التقرير رحلة تطور الظهران من مخيم تنقيب بسيط في ثلاثينيات القرن الماضي إلى مدينة ذكية متكاملة تديرها التقنيات الحديثة. تعتمد أرامكو على منصة آمر وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي لإدارة أكثر من 100 خدمة، وتحسين الطاقة والمياه والأمن والتنقل وجودة الحياة، مع حضور ثقافي بارز عبر مركز إثراء.
حينما وصل أول فريق جيولوجي من شركة سوكال إلى هضبة واسعة بجانب جبل أم الروس. سألوا مرشديهم المحليين، الذين يتمتعون بمعرفة سهول الأرض وهضابها ويهتدون بنجوم السماء، عن اسم هذه الأرض المرتفعة، أجاب المرشدون: الظهران. وهو الاسم الذي يعني ما ارتفع أو ظهر من الأرض، ومعه تصبح الظهران مهد قصة النفط السعودية.
ومنذ أن نُصبت أول ثلاث خيام صغيرة في عام 1933 لتكون أول خيام للتنقيب وسط جبل قبة الدمام، استمرت المدينة في النمو والتطور، لتصبح اليوم مدينة ذكية تلبّي أفضل معايير جودة الحياة، وتواكب وتستشرف حقبة جديدة من الحياة العصرية.
أكواخ بين التلال
يمثّل وصول أول مجموعة من عائلات موظفي أرامكو الأجانب إلى الحي السكني الوليد في مدينة الظهران في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي لحظة مفصلية في تاريخ المدينة التي أصبحت اليوم المقر الرئيس لواحدة من أكبر شركات النفط العالمية. إذ تحوّل الموقع الجيولوجي إلى حي سكني دائم. كانت البيوت عبارة عن أكواخ مسبقة الصنع، بسيطة للغاية، وبحلول منتصف أبريل 1935، اكتملت المرافق الأساسية، قبل أن يبدأ الحفر رسميًا في بئر الدمام رقم 1 بنهاية الشهر، ليتغير بعد عامين مجرى تاريخ المملكة وصناعة الطاقة حول العالم. وفي أكتوبر 1935، انتقل المقر الجيولوجي من الجبيل إلى الظهران، مما أسس الموقع الجنوبي المتواضع كأول مركز تشغيلي وإداري لاستكشاف النفط في المملكة، وقد أدّى ذلك إلى مزيد من متطلبات الحياة وأسهم في استقرار المزيد من العائلات.
أول مخطط للظهران
أُقيم أول مخيّم بمبانٍ دائمة في الظهران في الموقع الذي تقف فيه اليوم أبراج المنيرة السكنية، شاهدًا حديثًا على الأرض التي شهدت بداية تشكّل حيّ الظهران. وبدت ملامح أول تخطيط للمنطقة المركزية في الظهران تظهر للعيان، من خلال المستشفى والمكاتب والسكن ومحطة الكهرباء ومنازل المشرفين والمستودعات، وهي النواة التي انطلقت منها مدينة الظهران الحديثة.
الظهران مقرًا لعملاق النفط
ومع تغيّر اسم الشركة إلى أرامكو في عام 1944، شهدت الظهران توسعًا هائلًا، وعادت العائلات بأعداد كبيرة، والتحق مئات من الموظفين الجدد بالعمل في الشركة. وتطورت مدينة الظهران في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي وأصبح هذا الحي السكني يضم مدارس وملعب غولف مع مساحات خضراء، بالإضافة إلى مرافق أخرى مناسبة للعائلات. فأقيم دوري البيسبول للصغار وتأسست فرق الكشافة.
ومع انتقال مقر الشركة من نيويورك إلى الظهران تماشيًا مع توسع أعمال الشركة، كان مبنى الإدارة الجنوبية في عام 1950 هو المبنى الدائم الوحيد في المنطقة المركزية، التي كانت مشغولة بمبانٍ خشبية مؤقتة. ومع توسع أعمال الشركة وزيادة عدد العاملين، أدركت الشركة أهمية توسعة مقرها الرئيس، وأبرمت عقد مشروع جديد لبناء مبنى الإدارة الشمالية الذي تم افتتاحه لاحقًا في عام 1957.
ينبوع النفط والثقافة
ومنذ نهاية الخمسينيات، شهدت الظهران تحوّلًا كبيرًا مع ازدهار المنطقة الشرقية، وزيادة في معدلات تعبيد الطرق، وتوسّع العمران، وبناء الجسور والأنفاق، وانتشار المدارس، مع مواصلة أرامكو لدورها في إنشاء المدارس رفيعة المستوى، وتوعية المجتمع من خلال المكتبة المتنقلة للطلاب. كما شهدت تلك الفترة تطورًا في الحياة الحضرية والخدمات الأساسية، وبرزت الظهران كمركز للتقنية والتمدن والثقافة. ومع بداية الألفية أصبح تطور الظهران يشهد قفزات هائلة في جميع المجالات بما في ذلك تعزيز جودة الحياة في المجتمعات السكنية، وتشييد المرافق الحديثة، وتهيئة البيئة المعيشية المتكاملة التي تهدف إلى جعل المدينة أكثر ملاءمة للمستقبل، مثل تحسين البنية التحتية، والمساحات الخضراء، والخدمات المجتمعية.
وتوجت هذه الجهود عندما ضمت الظهران مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) في عام 2008 ليكون ينبوعًا للثقافة والمعرفة، على بعد خطوات من بئر الدمام رقم 7 “بئر الخير” والتي تُعد أول منبع للنفط في العام 1938.
أيقونة المدن الذكية
تُعد مدينة الظهران اليوم نموذجًا رائدًا للمدن الذكية بفضل التكامل بين التقنيات المتقدمة ونظام “آمر”، وهو منصة موحدة لإدارة المرافق والخدمات والبنية التحتية، والذي طورته أرامكو السعودية في المقر الرئيس بالظهران. ويعتمد النظام على أجهزة “إنترنت الأشياء” الذكية الموزعة في أنحاء المدينة، التي تُغذّي النظام ببيانات في الوقت الفعلي حول حالة الأصول والمرافق، ما يمكّن من التنبؤ بالاحتياجات واتخاذ قرارات دقيقة تعتمد على البيانات.
وتطمح أرامكو السعودية لتوفير العديد من وسائل الراحة والخدمات التي تعزز جودة الحياة وتعكس أسلوب حياة مجتمعية أكثر ترابطًا واستدامة باعتمادها على التقنية
مدينة تديرها التقنيات ذكية
تُسهم التقنية في إدارة مدينة الظهران عبر منظومة متكاملة تجمع بين إنترنت الأشياء، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي من خلال جمع البيانات من آلاف النقاط في أنحاء الظهران وتحليلها عبر خوارزميات وتقنيات تعلّم الآلة لتحويلها إلى معلومات مفيدة تُعرض على لوحات تحكم وتطبيقات الجوال.وقد دعمت هذه التقنيات إدارة أكثر من 100 خدمة متكاملة، منها 75 عملية مؤتمتة، وحققت كفاءة أعلى في إدارة المرافق، كما حسّنت من كفاءة الطاقة والمياه، ورفع مستوى السلامة والأمن، وسرعة الاستجابة للطوارئ، ودعم التنقل الذكي الذي أسهم في تقليل وقت البحث عن موقف لركن المركبة بالإضافة إلى حلول متعددة مثل تطبيق مشاركة المركبات الذكية، ومواقف المركبات الذكية، وإدارة الحركة المرورية.
لو عاد الزمان بالرجال الذين نصبوا أول خيمة على أرض الظهران، لوجدوا أنفسهم أمام مشهد يتجاوز حدود الخيال بشأن هذا المكان، إذ لم تعد الظهران اليوم مجرد نقطة جغرافية في شرق المملكة، بل مركزًا فاعلًا في منظومة اقتصادية عالمية متقدمة، وهو مسار بُني على رؤية استلهمت روحها من البدايات.

تعليقات