منى.. مدينة المليونَيْ حاج التي تستيقظ في أيام معدودة بمنظومة تشغيلية تُدار كأذكى مدن العالم
تحولت منى إلى مدينة ذكية موسمية تدير حركة أكثر من 2.6 مليون حاج عبر منظومة تشغيلية متكاملة تشمل التفويج، وإدارة الحشود، والخدمات الصحية والأمنية والغذائية. وشاركت وزارات وهيئات متعددة بآلاف الكوادر والآليات والحلول الرقمية المتقدمة؛ لضمان انسيابية الحركة ورفع جودة الإقامة والخدمات في موسم الحج.
مع بداية يوم التروية وتوافد طلائع ضيوف الرحمن إلى مشعر منى، تتجلى في قلب مكة المكرمة واحدة من أعظم صور التنظيم والتشغيل الموسمي في العالم، إذ تتحول منى إلى مدينة متكاملة تُدار بكفاءة فائقة خلال أيام معدودة، لتستوعب ملايين الحجاج من شتى بقاع الأرض، وهم يتوافدون في مشهد إيماني مهيب لأداء مناسك الحج بكل يسر وطمأنينة.
وفي مشهد يحاكي إدارة “مدينة ذكية موسمية”، لا تُقاس منى بعدد خيامها البيضاء الممتدة على السفوح فحسب، بل بحجم المنظومة التشغيلية التي تعمل خلف الكواليس، بدءًا من شبكات الطاقة والتبريد، مرورًا بأنظمة التفويج وممرات المشاة وخرائط الحشود والتحكم اللحظي في تدفقات الحجيج، وصولًا إلى الخدمات الصحية والأمنية والغذائية، مما جعل من هذا المشعر نموذجًا عالميًا فريدًا في إدارة التجمعات البشرية الكبرى.
ويمتد مشروع الخيام المطورة في منى على مساحة تُقدَّر بنحو 2.5 مليون متر مربع، وفق مواصفات تعزز معايير الأمن والسلامة، فيما تتجاوز الطاقة الاستيعابية للمشعر 2.6 مليون حاج.
ومع كل موسم، لا تقتصر منى على كونها مساحة لاستضافة الحجاج، بل تغدو مشروعًا متجددًا لإعادة صياغة تجربة الحج إنسانيًا وتقنيًا، حيث شهد المشعر هذا العام تنفيذ مشروعات تطويرية نوعية ركزت على “أنسنة المشاعر” وتحسين البيئة المكانية، من خلال زيادة المساحات المظللة، وتوسعة مناطق الاستراحة، وتحسين المشهد الحضري، وتهيئة مسارات أكثر مرونة وانسيابية للمشاة.
ومن أبرز التحولات اللافتة هذا العام، التوسع في مشروعات الإسكان المطور، مثل مشروع “رابية كدانة” ومخيمات “كدانة الخيف”، التي أضافت مساحات سكنية حديثة بالقرب من منشأة الجمرات؛ بهدف رفع الطاقة الاستيعابية والارتقاء بجودة الإقامة والخدمات، معتمدة على حلول هندسية متطورة في التظليل والتهوية وتسهيل الحركة.
وفي قلب منى، تقف منشأة الجمرات بصفتها أحد أعظم المشاريع الهندسية في إدارة الحشود عالميًا، إذ يعمل الجسر متعدد الطوابق وفق منظومة تفويج دقيقة تستوعب مئات الآلاف من الحجاج في الساعة، مدعومة بشبكة متكاملة من المداخل والمخارج والمنحدرات والسلالم الكهربائية، صُممت لتفكيك الكتل البشرية وتقليل التزاحم إلى أدنى مستوياته.
وتشارك القطاعات الحكومية في تنفيذ خطط ميدانية وتنظيمية شاملة، بإشراف ومتابعة مباشرة من الجهات المعنية؛ لضمان انسيابية حركة الحجاج بين المشاعر المقدسة، وتقديم الخدمات الصحية والإسعافية والتنظيمية على مدار الساعة.
وأعلنت وزارة الحج والعمرة اكتمال استعداداتها التشغيلية لخطط التفويج، حيث شملت تدريب أكثر من 30 ألف كادر على تشغيل الحلول الرقمية وإدارة العمليات الميدانية، إلى جانب تدريب أكثر من 600 عضو تفويج، و5 آلاف قائد فوج، على المنظومة الرقمية والمهام الميدانية، مع تنفيذ تجارب فرضية لقياس الجاهزية التشغيلية واختبار كفاءة الإجراءات بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
وفي الجانب الصحي، سخّرت وزارة الصحة إمكاناتها البشرية والتقنية لتقديم الرعاية المتكاملة، كما أعلنت هيئة الهلال الأحمر السعودي أن خطتها التشغيلية تشمل أسطولًا يضم أكثر من 3000 آلية إسعافية متنوعة، تشمل مركبات التدخل السريع، وعربات القولف الكهربائية، والدراجات النارية والهوائية، والسكوترات الإسعافية، إضافة إلى 11 طائرة إسعافية للإسناد الجوي للحالات الحرجة، مدعومة بـ250 مركبة إسعافية جديدة، و7700 كادر، وأكثر من 500 نقطة إسعافية، وما يزيد على 1000 متطوع ومتطوعة.
ومن جانبها، كثّفت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد استعداداتها في مسجد الخيف، حيث جُهز بالسجاد الفاخر، و410 وحدات تبريد ذكية، ومشروع لتلطيف الأجواء في محيط المسجد ودورات المياه شمل تركيب 57 مروحة رذاذ، و54 برادة مياه بطاقة إنتاجية تبلغ 500 لتر في الساعة الواحدة، لتصل الطاقة الاستيعابية إلى أكثر من 81 ألف حاج في الساعة.
كما أتيحت خدمات شحن الهواتف، وتجهيز المسجد بـ79 شاشة رقمية توعوية، ودعم المنظومة الأمنية بـ50 كاميرا مراقبة، وتوفير 9 مداخل و6 مخارج للطوارئ، مع طاقم تشغيلي يضم أكثر من 500 موظف وفني.
وأعلنت وزارة البلديات والإسكان جاهزيتها عبر منظومة ميدانية تضم أكثر من 22 ألف كادر، وأكثر من 88 ألف وحدة نظافة، مدعومة بـ3 آلاف آلية ومعدة، و1235 وحدة ضاغطة، و113 مخزنًا أرضيًا.
وفي إطار الرقابة الصحية والغذائية، شغّلت الوزارة 66 مركز خدمات و5 مختبرات متقدمة، وتنفذ فرقها الرقابية أكثر من 2800 جولة ميدانية يوميًا، مع تحليل نحو 1300 عينة مخبرية بشكل يومي.
كما أعلنت وزارة الحرس الوطني جاهزيتها للمشاركة عبر تأمين خدمات متنوعة، حيث تقدم الشؤون الصحية بالوزارة خدماتها عبر مستشفى مشعر منى ومركز الإجهاد الحراري بمشعر عرفة، المجهزين بأحدث التقنيات الطبية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة.
وما يميز منى عن غيرها ليس بنيتها التحتية فحسب، بل إيقاعها الزمني الفريد، فهي مدينة تبلغ ذروة كثافتها البشرية خلال أيام معدودة، ثم تعود إلى السكون بانتهاء المناسك، لتبدأ فورًا رحلة الاستعداد لموسم جديد أكثر تطورًا.
وفي المساء، حين تضاء ممرات المشعر وتتحرك أفواج الحجيج بين الخيام والجمرات، تبدو منى كلوحة إنسانية هائلة، تتجاور فيها لغات الأرض تحت نداء واحد: “لبيك اللهم لبيك”، في صورة تجسد رسالة المملكة في تسخير التقنية والإمكانات لخدمة ضيوف الرحمن، وجعل رحلة الحج أكثر أمانًا وطمأنينة وانسيابية عامًا بعد عام.
وتواصل الجهات المعنية تطوير المشعر وفق خطط إستراتيجية بعيدة المدى؛ تهدف إلى رفع الكفاءة التشغيلية، والحد من الإجهاد الحراري، وتوسيع المساحات الخدمية، إلى جانب تحسين تجربة تنقل الحجاج وإقامتهم، وذلك لمواكبة الزيادة المستمرة في أعدادهم، وترسيخ مكانة المشاعر المقدسة بصفتها نموذجًا عالميًا رائدًا في إدارة الحشود الكبرى.

تعليقات