جمال عبد الناصر يكتب: قراءة لمسرحية وحكاية لنجم.. «الشطار» ومعتز السويفي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

هناك عروض مسرحية تنتهي بانتهاء ليلتها الأخيرة، وهناك عروض أخرى تظل عالقة في الذاكرة، ليس لأنها كانت كاملة، وإنما لأنها امتلكت شيئًا أكثر أهمية، وهو القدرة على أن تطرح سؤالًا يظل صالحًا بعد سنوات من إسدال الستار.

اقرأ أيضا: ساموزين يطلق أغنيته الجديدة مروَّق الغزالة.. فيديو

ومن هنا تأتي سلسلة ” كنوز المسرح المصري ” والتي نقدم فيها قراءة لمسرحية وحكاية نجم؛ نحاول من خلالها أن نعود إلى عروض مسرحية شاهدناها، ونستعيد نجومًا وقفوا على خشباتها، لكننا لا نكتفي بالحنين إلى الماضي، وإنما نعيد النظر فيما شاهدناه بعين اليوم، وبخبرة السنوات التي مرت، وبمسافة نقدية تسمح لنا بأن نكتشف في العرض ما ربما لم ننتبه إليه وقت مشاهدته.

واليوم لا نبتعد كثيرًا في الزمن، بل نعود إلى عام 2010، وإلى مسرحية (الشطار)، تأليف السيد محمد علي، وإخراج محمود الألفي، وديكور فادي فوكيه، وموسيقى محمد باهر، وتصميم الاستعراضات مجدي الزقازيقي، وبطولة سامي مغاوري، معتز السويفي، مروة عيد، باسم شكري، ومحمد عبد الرازق، في تجربة قدمتها فرقة الغد القومية للعروض التراثية.
 

الشطار.. كوابيس السلطان حين تصبح أحلام الشعب

أتذكر أنني شاهدت هذا العرض في تلك الفترة، وكنت وقتها في بدايات تجربتي في اليوم السابع، وقد أعجبني العرض كثيرًا، وكتبت عنه وقتها ، وتوقفت أمام فكرته وطريقة تقديمه وما حمله من إسقاطات على الواقع، لكنني اليوم، وأنا أعيد الكتابة عنه بعد سنوات، لا أريد أن أكرر ما كتبته وقتها، وإنما أحاول أن أراه من منظور آخر؛ منظور الناقد الذي تغيرت أدواته، واتسعت رؤيته، وأصبح أكثر قدرة على الفصل بين انطباع المشاهدة الأولى وبين قيمة التجربة المسرحية في سياقها.

كانت الشطار في ظاهرها حكاية كوميدية ساخرة عن سلطان ظالم تطارده الكوابيس، ويحاول بكل الطرق أن يهرب منها، لكن هذه الكوابيس لم تكن مجرد أحلام عابرة تأتيه أثناء النوم، وإنما كانت أشبه بضمير مؤجل، أو صوت شعب لم يعد قادرًا على الصمت، وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة العرض؛ فالكوابيس ليست موضوعًا منفصلًا عن الواقع، وإنما وسيلة درامية لكشف الحقيقة، فالسلطان الذي يبدو قويًا في عالم اليقظة يصبح ضعيفًا ومطاردًا في عالم الحلم، وكأن المسرحية تقول إن السلطة تستطيع أن تخيف الناس، لكنها لا تستطيع أن تمنع الخوف من الوصول إليها.

وتتصاعد الأحداث تدريجيًا حتى تنتقل الحكاية من كوابيس السلطان إلى ثورة الشعب عليه، فيتحول ما كان يراه السلطان في البداية مجرد حلم مزعج إلى واقع لا يستطيع الفرار منه، وهذه النقلة تحديدًا تمنح العرض بعده السياسي والاجتماعي؛ فالمسرحية لا تقدم الظلم بوصفه قضية تاريخية تخص سلطانًا من زمن بعيد، وإنما تستدعي الحكاية التراثية لكي تتحدث عن الإنسان المصري وهمومه ومشكلاته وأسئلته في زمن العرض.

وكأن الكوميديا هنا ليست مجرد وسيلة لإضحاك الجمهور، وإنما كانت سلاحًا من أسلحة العرض، فالضحك في مواجهة السلطة المستبدة يصبح فعلًا له دلالته، والسخرية من الحاكم الذي يخاف من أحلامه تكشف هشاشته أكثر مما تكشف قوته.

 

التراث.. حين يصبح أداة للمواجهة

اختار المخرج محمود الألفي أن يبني عالم العرض من عناصر قريبة من الذاكرة الشعبية المصرية، مستخدمًا خيال الظل والأراجوز وفرقة للموسيقى الشعبية، وهي اختيارات لم تكن مجرد زينة شكلية، وإنما ساعدت على خلق لغة مسرحية تتناسب مع طبيعة الحكاية، فالأراجوز، في الذاكرة المصرية، لم يكن مجرد شخصية للفرجة، وإنما كان لسانًا شعبيًا يستطيع أن يقول ما قد يصعب قوله بصورة مباشرة، وخيال الظل بدوره يخلق عالما بين الحقيقة والوهم، بين الصورة وظلها، وهو عالم يتلاءم تماما مع فكرة الكوابيس التي تقوم عليها المسرحية.

أما الموسيقى الشعبية والاستعراضات، فقد أضفت على العرض طاقة احتفالية، وفي الوقت نفسه حافظت على جذوره التراثية، لتصبح الفرجة جزءًا من البنية الدرامية لا مجرد فواصل بين المشاهد، وهنا يحسب للألفي أنه لم يتعامل مع التراث بوصفه قطعة أثرية يجب عرضها كما هي، بل حاول أن يجعله حيًا وقادرًا على التواصل مع المتفرج المعاصر.

 

لكن.. من هم «الشطار»؟

بعد أن نتوقف أمام المسرحية، يصبح عنوانها نفسه سؤالًا يستحق التأمل: من هم الشطار؟
الشطار.. مصطلح ارتبط في التراث العربي والإسلامي، ولا سيما في بعض سياقات العصر العباسي، بفئات هامشية من المجتمع، واقترن في بعض المصادر بمصطلح العيارين، والشاطر في اللغة هو من اتصف بالدهاء والمكر والخروج عن المألوف، ثم تطور استخدام المصطلح ليشير إلى جماعات من اللصوص والفرسان غير النظاميين، عُرف بعضهم بالذكاء والدهاء والتمرد على السلطة، ولذلك فإن «الشاطر» ليس مجرد لص بالمعنى المباشر للكلمة؛ إنه شخصية تقع في منطقة رمادية بين الخارج عن القانون وبين المتمرد على نظام يراه فاسدًا أو ظالمًا.

وهذه المنطقة تحديدًا تجعل العنوان مناسبًا لمسرحية تتحدث عن سلطان ظالم وشعب يثور عليه، فإذا كان السلطان يمثل السلطة التي استبدت بالحكم، فإن «الشطار» يمثلون، في القراءة الرمزية، أولئك الذين يخرجون على النظام القائم ويرفضون أن يكونوا مجرد متفرجين على الظلم، وقد شغلت ظاهرة الشطار والعيارين عددًا من المؤرخين والباحثين والكتّاب، باعتبارها ظاهرة اجتماعية وثقافية تكشف جانبًا من علاقة المهمشين بالسلطة والمجتمع، وتطرح سؤالًا دائمًا حول الحد الفاصل بين الجريمة والتمرد، وبين الخارج على القانون والثائر على الظلم، ومن هنا يمكن النظر إلى عنوان المسرحية باعتباره مفتاحًا من مفاتيح قراءتها، وليس مجرد اسم لحكاية تراثية.

معتز السويفي نجم مسرحية الشطار
معتز السويفي نجم مسرحية الشطار

 

معتز السويفي.. نجم يستحق أن نتذكره

وفي قلب هذه الحكاية يقف اسم الفنان معتز السويفي، الذي أراه واحدًا من أبناء المسرح الحقيقيين، ومن الفنانين الذين تشكلت تجربتهم على الخشبة، لا من خلالها فقط، وإنما بفضلها أيضًا، فهو من هؤلاء الفنانين الذين لا يحتاجون إلى ضجيج كبير حتى يثبتوا وجودهم؛ فالمسرح بالنسبة إليه ليس محطة عابرة في مسيرته، وإنما مساحة اشتغال وتكوين وتجريب وتراكم.

اقرأ أيضا: توفيق عبد الحميد.. آخر أدواره على الساحة الفنية وأبرز محطاته

وفي «الشطار» كان وجوده جزءًا من النسيج الجماعي للعرض، في تجربة تنتمي إلى المسرح الذي يعتمد على الممثل القادر على التعامل مع الكوميديا، وعلى الإيقاع، وعلى طبيعة الفرجة الشعبية، وعلى الانتقال بين مستويات الأداء دون أن يفقد الشخصية ملامحها، وهذه واحدة من السمات المهمة في تجربة السويفي؛ قدرته على أن يكون جزءًا من الفريق، وفي الوقت نفسه أن يترك بصمته الخاصة.
ومن يتابع مسيرته المسرحية يجد أمامه رصيدًا يؤكد أنه لم يكن عابرًا على خشبة المسرح، وإنما كان المسرح أحد أهم ميادين تجربته، ومن الأعمال التي أتذكرها له:  كوميديا الأحزان، رجل القلعة ، هي في حياة الرسول، جلجاميش، عبور وانتصار، إلى جانب رصيد كبير من الأعمال.

وهذا الرصيد، الذي يتجاوز 100  عمل فني بين المسرح والسينما والتليفزيون، يكشف عن تجربة فنان ظل حاضرًا في المشهد لسنوات طويلة، واشتغل على أكثر من مساحة، لكن المسرح ظل أحد أهم مفاتيح قراءة تجربته.

 

لماذا يستحق معتز السويفي التكريم؟

لأن التكريم الحقيقي لا ينبغي أن يذهب فقط إلى الأسماء التي تصنع الضجيج حولها، وإنما أيضًا إلى أولئك الذين أفنوا أعمارهم في العمل، ومعتز السويفي واحد من هؤلاء، والمهرجان القومي للمسرح المصري، بوصفه واحدًا من أهم الجهات التي تحفظ ذاكرة المسرح المصري وتحتفي بأجياله، نطالب بأن ينظر إلى هذه الأسماء بعين مختلفة؛ عين ترى قيمة الرحلة كاملة، لا لحظة الشهرة فقط.
معتز السويفي يستحق التكريم لأنه ابن من أبناء المسرح، ولأنه منح خشباته سنوات من عمره، وشارك في تجارب متنوعة، ووقف إلى جوار أجيال من الفنانين، وظل جزءًا من الحركة المسرحية المصرية، والتكريم هنا ليس مجاملة لفنان، وإنما هو في جوهره تكريم لذاكرة المسرح نفسه، فحين نكرم فنانًا قضى عمره على الخشبة، نحن لا نضع اسمه على درع أو شهادة فقط، وإنما نقول للأجيال الجديدة إن المسرح يتذكر أبناءه، وإن سنوات التعب في البروفات والعروض والسفروالمهرجانات لا تضيع في الفراغ.

معتز السويفي ليس مجرد اسم في قائمة أبطال العرض، وإنما هو نموذج لفنان يمكن من خلاله أن نقرأ معنى آخر للمسرحي الذي يواصل العمل بعيدًا عن صخب النجومية، ونجوم المسرح ليسوا فقط من تصفق لهم القاعات في ليلة عرض، وإنما أيضًا من يتركون آثار أقدامهم على خشبة المسرح عبر السنوات.
ومن هنا يأتي معتز السويفي نجم حلقتنا في سلسلة قراءة لمسرحية وحكاية نجم؛ نعيد قراءة «الشطار» اليوم، لا لكي نستعيد عرضًا من الماضي فقط، وإنما لكي نستعيد معه فنانًا من أبناء المسرح المصري، ونقول إن بعض النجوم لا يحتاجون إلى أن يذكّرونا بأنهم نجوم، لأن خشبة المسرح نفسها تفعل ذلك نيابة عنهم.

 

اقرأ أيضا: آن هاثاوى وداكوتا جونسون فى مواجهة أسرار مرعبة بفيلم Verity

‫0 تعليق

اترك تعليقاً