دفعت الولايات المتحدة أعلى تكاليف اقتراض لبيع سندات لأجل 30 عاماً منذ عام 2001، أي منذ ربع قرن، مع تصاعد قلق المستثمرين من تراكم الديون، التي قاربت 40 تريليون دولار، فضلاً عن التضخم الذي لا يزال مرتفعا بشكل عنيد.
اقرأ أيضا: بتنافس ولا بتساعد؟.. خالد الغندور يثير الجدل بمنشور على فيسبوك
الخطوة أثارت تكهنات متزايدة بشأن توجه واشنطن نحو زيادة الاعتماد على الاقتراض قصير الأجل وتأتي في وقت تتزايد فيه المخاوف من تفاقم أزمة الديون الأمريكية وتصاعد أعباء الاقتراض على الحكومة.
وكشفت وزارة الخزانة الأمريكية أن مزاد سندات خزانة لأجل 30 عاماً بقيمة 25 مليار دولار، أدى إلى تحقيق عوائد مرتفعة وصلت إلى 5.22 في المائة، وهو الأعلى منذ دفع عائد نسبته 5.52 في المائة في أغسطس 2001، الأمر الذي دفع الوزارة آنذاك إلى تعليق مزادات سندات الخزانة، لأجل 30 عاماً، لمدة قاربت من خمس سنوات.
وقارنت صحيفة “فاينانشيال تايمز” عائد مزاد الخميس مع العائد الذي تحقق في مزاد سندات لأجل 30 عاماً في يوليو حين سجل 5.06 في المائة، و4.91 في المائة قبل بدء ولاية ترامب الثانية في يناير 2025.
ولفتت الصحيفة إلى أن الصدمة الأكبر في تكاليف الاقتراض تزامنت مع تضخم الديون الإجمالية الأمريكية المتراكمة التي اقتربت من 40 تريليون دولار، ما دفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو أعلى مستوياتها على الإطلاق. وفي الوقت نفسه، أدت حرب ترامب مع إيران إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين والشركات بشكل حاد، الأمر الذي رفع العائق أمام المستثمرين لاقتناء السندات التي من شأنها توفير أسعار فائدة ثابتة على مدى العقود الثلاثة المقبلة.
ويقول رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية في شركة “تي دي سيكيوريتيز”، جينادي جولدبيرج: “بوجه عام، يمثل هذا الأمر مشكلة بالنسبة لوزارة الخزانة. عليهم تمويل الحكومة بمستويات أعلى تكلفة”.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى بيع السندات لأجل 30 عاماً جاء في أعقاب مزاد بقيمة 42 مليار دولار لسندات مدتها 10 سنوات يوم الأربعاء، والتي بيعت بأعلى عائد منذ عام 2007.
وبينت أن الدين الوطني- وتكلفة الاقتراض- تضاعف تقريباً خلال العقد الماضي، مدفوعاً بالإنفاق الضخم خلال جائحة فيروس كورونا، مؤكدة أن الحكومة الأمريكية تنفق الآن على خدمة ديونها أكثر مما تنفقه على الدفاع الوطني.
عاد ترامب إلى منصبه متعهداً بوضع المالية العامة الأمريكية تحت السيطرة، لكن الدين الاسمي ارتفع منذ ذلك الحين بأسرع معدل، باستثناء حقبة وباء كوفيد، بعد أن دفعت الإدارة من خلال تشريع شامل لخفض الضرائب من خلال مشروع الرئيس الذي يطلق عليه قانون “الكبير والرائع”.
وكشفت البيانات الحكومية التي حللتها “لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة”، المستقلة غير الحزبية، أن الديون العامة تجاوزت الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من عام 2026.
وحسب أرقام “مكتب الميزانية” في الكونجرس، وهو هيئة رقابية غير حزبية، فإن الدين الوطني في طريقه لتجاوز ذروة ما بعد الحرب العالمية الثانية البالغة 106 في المائة، بحلول نهاية العقد، وليصل إلى 120 في المائة بحلول عام 2036.
وأفادت “فاينانشيال تايمز” أن العوامل المالية تفاقمت جراء مخاوف الصعوبات التي سيلاقيها الاحتياطي الفيدرالي للسيطرة على موجة التضخم المرتفع، إذ سيفضي ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب في إيران إلى تصاعد ضغوط الأسعار التي تزامنت مع التعريفات الجمركية والإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
كان التضخم السنوي قد قفز في مايو إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات عند 4.2 في المائة مع قفزة أسعار الوقود أثناء ذروة الصراع. وقد تراجع منذ ذلك الحين، وانخفض إلى 3.4 في المائة في يوليو، حسب البيانات الصادرة هذا الأسبوع، لكنه لا يزال أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأمريكي).
وبينما لا يزال المستثمرون يشعرون بالقلق إزاء التضخم وارتفاع مستويات الاقتراض، فإن العوائد المتاحة على السندات طويلة الأجل ساعدت في الحفاظ على استقرار الطلب.
اقرأ أيضا: هاتفي اشتعل بالاتصالات بعد مباراة الأرجنتين.. ومكالمة حسمت قراري
ولاحظ المحلل المالي في شركة “بي إم أو كابيتال” فيل هارتمان، أن مزاد السندات لأجل 30 عاماً في يوم الخميس سجل فيه معدل العرض إلى التغطية- وهو مؤشر للطلب قياساً إلى كمية الديون المباعة- 2.39، وهو أعلى من متوسط المعدلات المسجلة خلال المزادات الستة الماضية.
ويرى جولدبيرج، من شركة “تي دي سيكيوريتيز”، أن هذا الرقم “يخبرنا أنه لا يزال هناك طلب على الدخل الثابت طويل الأجل، لكن ذلك له ثمن”.
وقالت وزارة الخزانة في وقت سابق من هذا الشهر إن أحجام المزادات للأوراق المالية طويلة الأجل ستبقى عند المستويات الحالية خلال الأرباع القليلة المقبلة، وهو ما يعتقد محللون أنه سيساعد في الحد من المزيد من الضغط التصاعدي على العائدات.
وقال جولدبرج إن تحرك وزارة الخزانة نحو الإصدار قصير الأجل في السنوات الأخيرة يجعل إجمالي رصيد الديون في البلاد أكثر عرضة للتقلبات في أسعار الفائدة، حيث يتعين على الحكومة إصدار تلك الأوراق المالية قصيرة الأجل بشكل متكرر أكثر مما كانت عليه عندما اعتمدت بشكل أكبر على السندات طويلة الأجل.
ويمثل هذا التطور اختبارا حقيقيا لوزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي بدت مؤشرات القلق داخل الوزارة جلية الأسبوع الماضي حين عدلت لغة توجيهاتها بشأن مبيعات الديون على نحوٍ فتح الباب أمام احتمال خفض المعروض من السندات طويلة الأجل. ومع ذلك، لا يزال المستثمرون يحجمون عن التسابق لتثبيت هذه العوائد المرتفعة تاريخيًا، في ما يُعد مؤشرًا جماعيًا على أن موجة التصريف قد لا تكون قد بلغت نهايتها بعد.
اقرأ أيضا: ارتفاع أسعار النفط بعد تهديد أمريكي بفرض حصار بحري غير محدد المدة على إيران