عجبني جدًا تصريح الفنان حكيم لتليفزيون اليوم السابع، عندما سألته زميلة صحفية: لماذا لم تعد شعبيتك كما كانت؟
اقرأ أيضا: مارك رافالو فى عش الدبابير.. كيف يحمى اللوبى الصهيونى مصالحه بهوليوود؟
السؤال في ظاهره مباشر، وربما يحمل في داخله شيئًا من القسوة، لكنه منح حكيم فرصة ليقدم إجابة أراها أكثر ذكاءً من مجرد الدفاع عن نجوميته أو محاولة إنكار ما يقوله الزمن، فحكيم لم يحاول أن يقول : ” أنا ما زلت الأول ” ، ولم يدخل في معركة مع الأرقام أو المقارنات، لكنه تحدث عن تعاقب الأجيال، وعن حقيقة بسيطة كثيرا ما يرفض الفنانون الاعتراف بها، وهي أن لكل جيل مطربوه ونجومه وأغانيه، ولكل زمن ذائقته ومفرداته.
حلّل حكيم جمهوره القديم ببساطة ووعي، وقال إن الذين كانوا يسمعونه في بداياته كبروا، وأصبح بعضهم آباءً وأمهات، بل إن بعضهم صاروا أجدادًا، وتغيرت حياتهم، وأخذتهم مسؤولياتها ودوامتها، بينما جاء جيل جديد يبحث عن أصوات وموسيقى تعبّر عنه، وهنا ظهرت أسماء مثل حودة بندق وعصام صاصا وغيرهما من مطربي الجيل الجديد، الذين أصبحوا جزءًا من المشهد الذي يستمع إليه هذا الجيل ويتفاعل معه.
هذه هي النقطة الأهم في كلام حكيم، فالفنان الذكي لا يحارب الزمن، فالزمن لا يعود إلى الوراء، والجمهور لا يظل في العمر نفسه، والذائقة الفنية لا تتجمد عند لحظة واحدة، وما كان جديدًا بالأمس يصبح كلاسيكيًا اليوم، وما كان صادمًا أو مختلفًا في زمن ما قد يصبح بعد سنوات جزءًا من الذاكرة الفنية، لكن المشكلة ليست في أن يتغير الزمن، وإنما في أن يرفض الفنان الاعتراف بذلك، فهناك فنانون يظل كل همهم إثبات أنهم ما زالوا كما كانوا، فيدخلون في معركة خاسرة مع الزمن، بينما هناك فنانون أكثر وعيًا يعرفون أن النجومية ليست أن تظل واقفًا في المكان نفسه، وإنما أن تجد لنفسك مكانًا جديدًا كلما تغيرت خريطة الجمهور.

جمال عبد الناصر يكتب عن شعبية حكيم
وهنا أجد حكيم نموذجًا يستحق التحية.. حكيم لم يتوقف عند فكرة أن جمهوره القديم لم يعد هو نفسه، لكنه قرر أن يقترب من الجمهور الجديد، وأن يتعامل مع مفرداته وأدواته، فظهر مع حودة بندق في دويتو من خلال فكرة برنامج، وكأنه يقول: أنا لا أطلب من الجيل الجديد أن يعود إليّ.. أنا أذهب إليه.
وهذه ليست محاولة للتشبث بالنجومية بقدر ما هي محاولة ذكية للحفاظ على الحضور، والأهم أن هذا الحضور لا يعني أن حكيم أصبح نسخة من مطربي الجيل الجديد، ولا ينبغي له أن يكون كذلك، فالفنان الحقيقي يستطيع أن يتطور دون أن يفقد هويته، وهنا تأتي فكرة المصالحة مع النفس.
على كل فنان أن يعرف أن له زمنه، وأن لكل زمن شروطه، وأن التوهج الذي صنعه في مرحلة معينة لن يتكرر بالصورة نفسها بالضرورة، لكن الاعتراف بذلك لا يعني الهزيمة، بل يعني النضج، وأن تقول لنفسك: لقد قدمت ما أستطيع في زمن معين، وحققت نجاحي، والآن أحتاج إلى أدوات جديدة كي أظل موجودًا، وهذه ليست هزيمة الفنان أمام الزمن، وإنما انتصار الفنان على غروره.
والغناء تحديدًا هو أكثر الفنون التي تكشف لنا هذه الحقيقة، فكم من مطرب كان يملأ الدنيا في السبعينيات أو الثمانينيات أو التسعينيات، ثم جاء جيل آخر أخذ مكانه، ثم ظهر بعده جيل ثالث؟ هكذا تتحرك الحياة الفنية، من صوت إلى صوت، ومن أغنية إلى أغنية، ومن ذائقة إلى أخرى.
لكن الجميل أن الأغنية الجيدة لا تموت، وهنا نعود إلى حكيم، فحتى إذا اختلفت خريطة النجومية اليوم، فإن أغاني حكيم ما زالت حاضرة في الأفراح والمناسبات، وما زال الناس يرددونها، بل إن أجيالًا جديدة تعيد اكتشافها وتستخدمها في «الريلز» وعلى «تيك توك» ومنصات التواصل الاجتماعي، وهذا في حد ذاته شهادة مهمة جدًا.
فالأغنية التي تعيش بعد سنوات طويلة من إنتاجها، وتنتقل من جيل إلى جيل، ليست مجرد أغنية حققت نجاحًا وقت صدورها؛ إنها أغنية امتلكت شيئًا من الحرفية والقدرة على عبور الزمن.
الكلمة الجيدة تعيش، واللحن الجيد يعيش، والأداء الصادق يعيش، ولهذا أرى أن حكيم ليس مجرد مطرب شعبي حقق نجومية ضخمة في مرحلة من مراحل الغناء المصري، وإنما هو واحد من أصحاب البصمة الواضحة في تاريخ الأغنية الشعبية المصرية الحديثة، ولو قررنا يومًا أن نوثق للغناء الشعبي المصري في كتاب، فلن يكون اسم حكيم هامشًا صغيرًا في هذا الكتاب، بل ستكون له صفحات وصفحات.
اقرأ أيضا: أشرف عبد الباقى ونجوم «الساحل الشرير» يحتفلون بآخر عروضه بالساحل الشمالى
سنكتب عن صوته، وعن اختياراته، وعن حضوره، وعن قدرته على صناعة الأغنية الشعبية التي تصل إلى الناس مباشرة، وعن عشرات الأغاني التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية، والأهم أننا سنكتب عن شيء آخر ربما يكون أهم من كل ذلك: كيف استطاع حكيم أن يفهم أن الفنان لا يستطيع أن يوقف الزمن، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يسير معه.
وهذه هي الحكمة التي أراها خلف تصريحه، فليس مطلوبًا من حكيم أن يكون مطرب الجيل الجديد، كما ليس مطلوبًا من الجيل الجديد أن يكون جمهور حكيم القديم، ولكن المطلوب فقط أن يظل حكيم حكيمًا، وأن يضيف إلى تجربته ما يجعلها قادرة على التواصل مع الحاضر، دون أن يتنازل عن هويته أو يمحو تاريخه.
الفنان لا يقاس فقط بعدد من يصفقون له اليوم، وإنما أيضًا بعدد الأغاني التي تركها وراءه، وبقدرتها على أن تجد جمهورًا جديدًا بعد سنوات من إنتاجها، وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تعد شعبية حكيم كما كانت؟
بل: كيف استطاع حكيم أن يجعل أغانيه القديمة تعيش في وجدان جيل لم يكن موجودًا عندما غناها لأول مرة؟
وهذه، في رأيي، ليست مشكلة نجومية..هذه شهادة نجاح.
اقرأ أيضا: وفاة ابن الفنان شكري سرحان باستراليا ونقل الجثمان ودفنه بالقاهرة