“موسكو تلتقى القاهرة”: كيف تركت مصر إرثا إبداعيا لافتا فى أسبوع موسكو للتصميم؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

شَكَّلَت مصر حضوراً دولياً بارزاً ضمن فعاليات أسبوع موسكو للتصميم والديكور الداخلي في دورته الثامنة. وبدعمٍ من “أسبوع القاهرة للتصميم”، قدّمت مصر جناحاً وطنيا متكاملاً عكس الهوية الإبداعية المصرية، في حين استعادت الرؤية الاستراتيجية التي عرضها مؤسس المبادرة، هشام مهدي، كيفية بناء مشهد تصميمي معاصر في البلاد تقريباً من نقطة الصفر خلال تسع سنوات فقط.

اقرأ أيضا: هيثم حسن احتياطيا في تشكيل سيلتيك أمام لاسك لينز بدوري الأبطال

0072733e-05c2-4531-83f8-b9fbf99fcdd2
 

ومرة أخرى، أثبتت موسكو مكانتها كمركز ملهم يجمع نخبة المصممين من مختلف دول العالم؛ حيث أقيمت الدورة الثامنة من “أسبوع موسكو للتصميم والديكور الداخلي” في الفترة من 13 إلى 16 أغسطس تحت شعار “آفاق الألوان اللامحدودة”، في إشارة بلاغية استلهمت جمالياتها من التناغم البصري لتدرجات الصيف في العاصمة الروسية، وما تحمله بين أزقتها من جماليات معمارية وطبيعية وتفاصيل عمرانية ملهمة. وشهد الحدث مشاركة ما يقرب من 1300 شركة محلية ودولية، إلى جانب نحو 200 خبير ومختص شاركوا في برنامج أعمال مكثف ضم زهاء 50 جلسة حوارية، بدعمٍ كريم من حكومة مدينة موسكو وعمدتها سيرغي سوبيانين.

 

وكان التعارف الأول لموسكو مع التصميم المصري المعاصر من خلال جناح “كارافان”، الذي أُقيم ضمن مبادرة “موسكو–القاهرة” بدعمٍ من الجمعية المصرية للمصدرين (إكسبولينك) بالتعاون مع “أسبوع القاهرة للتصميم”. ولم يكن اختيار اسم الجناح وليد المصادفة؛ فلطالما جابت القوافل الصحارى عبر القرون، لا لتقل البضائع والسلع فحسب، بل لتنقل معها المعارف والحرف والتقاليد والأفكار، تماماً كما يمارس التصميم اليوم دوره في الربط بين الثقافات.

57c8062e-0c2b-4832-89d5-daaea50da870
 

وانعكس هذا المفهوم الجمالي في العمارة الداخلية للجناح نفسه؛ حيث طاف الزوار داخل مسار متعرج يُحاكي رحلة العبور بين كثبان الصحراء، بين أقمشة شفافة خفيفة استحضرت في أذهان الحاضرين مشهد الخيام البدوية وظلال التلال الرملية. وضم المعرض بين جنباته تشكيلة مميزة من الأثاث، والمشغولات الخشبية، والمنسوجات، وقطع الديكور التي حملت توقيع علامات تجارية مصرية بارزة مثل: لومبرجاك، وكاخا، ونوفيلتي، وجورجيت للأنتيكات، وشريكة كليوباترا للتجارة، ورزولين؛ حيث قدّمت كل قطعة رؤية معاصرة للحرف التقليدية، مُعيدةً ابتكار الخامات والأساليب الموروثة برؤية حديثة دون تحنيط الماضي داخل أروقة المتاحف.

 

وامتد حوار الفن إلى جلسة الأعمال التي أُقيمت بعنوان “أسبوع القاهرة للتصميم في ضيافة أسبوع موسكو للتصميم والديكور الداخلي”، والتي تحدث فيها هشام مهدي، الرئيس التنفيذي لمجموعة “مهدي جروب”، في زيارته الأولى لموسكو، موضحاً بذور هذه المبادرة. وأشار إلى أنه في عام 2016، كان الحضور العالمي لمصر ينحصر غالباً في إرثها التاريخي من الأهرامات والفرعونية والحضارة الإسلامية، دون أن يمتد ذلك إلى إيجاد لغة تصميم معاصرة تعبر عن روح العصر، بينما كان المصممون المحليون يستلهمون أفكارهم بالأساس من النماذج الأجنبية.

 

وقال مهدي في هذا الصدد: “كان المصممون المصريون يميلون في الغالب إلى استنساخ ما يرونه في أوروبا ومختلف أنحاء العالم. ومن هنا أطلقنا هذا المشروع لنحدث تحولاً جذرياً ونبتكر حركة إبداعية أصيلة تنبع من عمق ثقافتنا”.

9ef4a359-e823-4ade-80ce-48b79a9276e1
 

وارتقى المشروع عبر استراتيجية متكاملة قامت على ثلاث مراحل متتالية: بناء مجتمع مهني متماسك، ثم تطوير منتجات ذات هوية تميزها، وصولاً إلى الانطلاق بها نحو العالمية. وفي عام 2017، أُطلقت “جائزة القاهرة للتصميم” لتجمع تحت مظلتها مجالات العمارة، والتصميم الداخلي، والتصميم الجرافيكي والصناعي، بالإضافة إلى الموضة، والمجوهرات، والتقنية. أعقب ذلك إنشاء مساحة معرضية عملت كحاضنة للأعمال المشتركة ورابطٍ يجمع المصممين بمصنعي الأثاث والإضاءة والإكسسوارات. وتدريجياً، تحول الجانب الصناعي عن استنساخ التصاميم الأجنبية، وحصل المصممون على منصة دورية تُمكنهم من إطلاق مجموعاتهم الجديدة.

 

وهذا التأسيس المنهجي هو ما مهد الطريق لإطلاق النسخة الكاملة الأولى من “أسبوع القاهرة للتصميم” عام 2023. وأقيمت نسخته الأخيرة عبر ثلاثة أحياء تاريخية في القاهرة، مستقطبةً 54 ألف زائر، و215 عارضاً، و168 مصمماً. وحقق المشروع نحو 596 مليون تفاعل بصري ووصل إلى 2.3 مليار شخص عبر منصات التواصل الاجتماعي، في حين انضم زهاء 12 ألف متخصص إلى هذه المنصة الإبداعية، التي أسهمت كذلك في إدماج 60% من طلاب الكليات المتخصصة في التصميم في مصر ضمن سوق العمل.

 

وفي موسكو، انتقل مهدي من استعراض تاريخ المشروع إلى طرح آفاق جديدة للتعاون؛ حيث دعا المصممين الروس للمشاركة في مشاريع إبداعية مشتركة، معرباً عن جهوزيته لاختيار نخبة من المشاركين لبدء تعاون عبر تخصصات متعددة، مؤكداً أن الثقافة الروسية تمثل ركيزة صلبة لمثل هذه الشراكات.

 

وأضاف مهدي: “يسعدنا كثيراً التعاون مع المصممين الروس، وتبادل الرؤى مع ثقافتكم الغنية بالجمال والفن”.

 

وتستند هذه المنصة بالفعل إلى تجارب سابقة ناجحة في تنظيم ورش العمل الدولية؛ من بينها مشروع “ديزاين دستري” (Designdustry) المصري–الهولندي، الذي أصلح صياغة الأثاث المصري التقليدي برؤية حديثة أثمرت عن إنتاج نحو 20 قطعة فنية. كما بدأت العلامات التجارية التي ولدت عبر هذه المنصة بالتوسع خارج الحدود؛ إذ تتوسع علامة المجوهرات “شوشة كمال” بفتح فروع لها خارج مصر، بينما تمتد أعمال شركة “مارمونيل” المتخصصة في الرخام بين مصر وإيطاليا، وقد عُرضت إحدى تجهيزاتها الفنية في متحف اللوفر الباريسي.

اقرأ أيضا: روسيا تعتزم تمديد حظر صادرات الديزل حتى سبتمبر وسط استمرار نقص الوقود

 

ولم يكن هذا الحوار مع روسيا وليد اللحظة، بل بدأت شرارته في ديسمبر 2024، عندما قدّم المعماري ومصمم الديكور الداخلي حسن فكري، مؤسس استوديو “دابس مصر” (DABS Egypt)، مجسماً فنياً في موسكو مزج فيه بين الهندسيات المصرية والتدرجات اللونية للعاصمة الروسية، مستلهماً شكل الهرم مع تطعيمه بألوان الأحمر والأخضر والأصفر التي استوحاها من أحجار الساحة الحمراء.

 

وعن هذه التجربة قال فكري: “تتمتع الثقافة الروسية بغنى استثنائي، إلا أن المصممين نادراً ما يلتفتون إلى نقاط التلاقي بينها وبين الثقافة المصرية. وهذا ما أردت البحث عنه وإبرازه”.

 

وفي ختام عرضه التقديمي، كرّم هشام مهدي استوديو “سيا” المعماري في موسكو بتقديم جائزة تقديرية لإسهاماته في تطوير هذا القطاع ولأنه وضع معايير جودة جديدة في مجال تصميم المساحات السكنية والتجارية.

 

وجاءت زيارة مهدي نفسها لتكرس هذا التبادل الثقافي المتنامي؛ إذ أشاد بالزخم الكبير للفعاليات المعمارية والصناعية قائلاً: “جاء أسبوع موسكو للتصميم والديكور الداخلي بأبعاد وتنظيم فاق توقعاتي. وكان حضوري إلى موسكو فرصة للالتقاء بالمعماريين والمصممين الروس والاطلاع على مشاريعهم. فمثل هذه الزيارات بالنسبة لي تدور بالأساس حول الإنسان وبناء العلاقات المهنية التي تتحول لاحقاً إلى مشاريع إبداعية مشتركة”.

اقرأ أيضا: برشلونة يسجل حمزة عبد الكريم ضمن قائمة الفريق الأول

‫0 تعليق

اترك تعليقاً