حين تلتقي سوداوية الأدب بعيون السينما المتمردة تولد التحف الخالدة، التي لا يمحوها الزمن، وفي مثل هذا الوقت من عام 1946، استقبلت الشاشة الفضية فيلما لم يكن مجرد عرضاً عابراً، بل زلزالا بصريا أعاد تعريف سينما الجريمة والغموض إلى الأبد، إنه فيلم القتلة The Killers المستوحى من قصة قصيرة للكاتب العظيم إرنست هيمينجوي، والذى يحتفل بذكرى صدوره ليبقى البوصلة الحقيقية التي توثق العصر الذهبي لسينما الـفيلم نوار Film Noir.
اقرأ أيضا: ماريان خورى تودع زوجها من مسجد عمر مكرم.. يسرى نصر الله أبرز الحضور
.jpg)
The Killers
قصة الفيلم اللغز الأكبر
قصة الفيلم تبدأ في بلدة نيوجيرسي الهادئة والمعتمة، حيث يقتحم قاتلان مأجوران غريبا الأطوار مطعما صغيرا، بحثا عن رجل يدعى أول راندي والمعروف في حلبات الملاكمة القديمة باسم السويدي قام بدوره بيرت لانكستر.
المرعب والمشوق في آن واحد ليس مشهد المطاردة بل غيابه فعندما يركض أحد الأصدقاء ليحذر السويدي في غرفته المظلمة بأن هناك من جاء ليقتله لا يتحرك البطل من سريره ولا يحاول الهرب بل يكتفي بعبارة باردة ومحملة باليأس لقد فعلت شيئا خاطئا ذات مرة، ويقتل السويدي في سريره دون مقاومة ويترك خلفه اللغز الذي يحرك الفيلم بأكمله لماذا ينتظر رجل موته بهذا الاستسلام التام.
مع رحيل الضحية يبدأ دور محقق التأمينات الذكي جيم ريردون إدموند أوبراين الذي يرفض إغلاق الملف ويبدأ في النبش وراء بوليصة تأمين صغيرة تركها السويدي، ومن هنا يأخذنا المخرج العبقري روبرت سيودماك في رحلة بصرية ساحرة تعتمد على خطوط زمنية متداخلة عبر 11 مشهدا استرجاعيا فلاش باك شهادة من كل شخص عاشر السويدي تفتح نافذة جديدة على ماضيه، لنكتشف كيف تحول من ملاكم واعد أخفقت مسيرته بسبب إصابة في يده إلى رجل عصابات متورط في سرقة مصنع رواتب كبرى وأخيرا ضحية لغدر لم يتحمله قلبه، ولا يمكن الحديث عن The Killers دون التوقف أمام الإعصار البصري والأدائي الذي قدمته النجمة افا جاردنر في دور كيتي كولينز كيتي هي التجسيد الحي للمرأة الفاتنة والقاتلة في تاريخ السينما.
The Killers
كواليس صنعت التاريخ
خلف الكواليس يحمل الفيلم حكايات لا تقل إثارة عن أحداثه، فقد كان هذا الفيلم هو الظهور الأول مطلقا للنجم بيرت لانكستر على الشاشة الفضية ملامحه الحادة وبنيته الجسدية القوية الممزوجة بضعف داخلي جعلت منه نجما بين ليلة وضحاها.
الفيلم حصل على إشادة الكاتب المتمرد عرف عن الكاتب إرنست هيمينغوي كرهه الشديد للمقتبسات السينمائية لرواياته لكن The Killers كان الاستثناء الوحيد، حيث أحب هيمينجوي الفيلم لدرجة أنه كان يحتفظ بنسخة منه ويعرضها لأصدقائه، والمثير أن أول 20 دقيقة من الفيلم هي نقل حرفي دقيق لقصته القصيرة بينما تم ابتكار بقية التحقيقات بالكامل بواسطة كتاب السيناريو ومنهم جون هيوستون دون ذكر اسمه في التترات.
بالنسبة للموسيقى التصويرية تضمن العمل أيضا أربع مقاطع أسطورية التي ألفها ميكلوس روزا، أصبحت أيقونية لدرجة أن شبكة NBC استعارت نغماتها الأربع الشهيرة لافتتاحية المسلسل البوليسي الأسطوري Dragnet.
اقرأ أيضا: العائلة المالكة بعيون هوليود.. أعمال وثقت طلاق القرن بين تشارلز وديانا
ارنست هيمينجوى
الإرث السينمائي تحفة بصرية لا تموت
الفيلم ترشح في عام صدوره لـ 4 جوائز أوسكار أفضل إخراج أفضل سيناريو أفضل مونتاج وأفضل موسيقى تصويرية ورغم أنه لم يقتنص التمثال الذهبي وقتها إلا أن التاريخ أنصفه حيث تم اختياره للحفظ في السجل الوطني للفيلم بالمكتبة الوطنية الأمريكية كعمل ثقافي وتاريخي وجمالي هام.
بعد مرور 80 عاما يظل فيلم The Killers درسا ملهما في كيفية استخدام الإضاءة والظلال لخلق أجواء من النفسية المعذبة وتذكيرا بزمن كانت فيه السينما تصنع سحرها من تفاصيل الغموض الإنسانى الشديد.
اقرأ أيضا: برؤية بصرية سينمائية.. خالد أنور يلفت الأنظار بجلسة تصوير غير تقليدية