لم تعد عملية إدارة القطاع الزراعي تعتمد فقط على السجلات الورقية والبيانات التقليدية، بعدما بدأت الدولة في بناء منظومة رقمية متكاملة تستهدف إعادة تنظيم التعامل مع الأرض والمزارع ومستلزمات الإنتاج، وربط البيانات ببعضها لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، ومواجهة أي محاولات للتلاعب أو إهدار الموارد.
اقرأ أيضا: سر قراءة سورة الواقعة 7 مرات.. هل تجلب الأرزاق خلال 14يوما؟
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي إلى توسيع نطاق التحول الرقمي ليشمل الحيازات الزراعية، والأسمدة المدعمة، والأراضي الزراعية، والإرشاد، والبيانات الزراعية، وحتى المحاصيل المخصصة للتصدير، في محاولة لبناء قاعدة بيانات أكثر دقة تساعد في اتخاذ القرار.
5.2 مليون حيازة تتحول إلى «داتا»
وكشف علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، أن الوزارة نجحت في الانتقال بالحيازة الزراعية من الشكل الورقي التقليدي إلى منظومة إلكترونية تعتمد على «كارت الفلاح الذكي»، الذي أصبح أحد أهم أدوات التحول الرقمي داخل القطاع الزراعي.
وتغطي المنظومة مختلف محافظات الجمهورية، إلى جانب المناطق الحدودية، مع تسجيل نحو 5.2 مليون حيازة زراعية إلكترونيًا، بإجمالي مساحة تتجاوز 7 ملايين فدان.
وتوفر هذه البيانات قاعدة معلومات أكثر دقة عن الحيازات والمساحات المزروعة، بما يساعد على إدارة الموارد الزراعية وتوجيه الدعم والخدمات وفق بيانات فعلية بدلًا من الاعتماد على تقديرات أو سجلات قديمة.
مهمة كارت الفلاح
لكن مهمة الكارت لم تعد مقتصرة على إثبات الحيازة أو الحصول على مستلزمات الإنتاج.
وأوضح وزير الزراعة أنه تم دمج كارت الفلاح مع منظومة المدفوعات «ميزة»، بالتعاون مع البنك الزراعي المصري، في خطوة تمهد لزيادة استفادة المزارعين من الخدمات المالية الرقمية، وتدعم توجه الدولة نحو تحقيق الشمول المالي داخل القطاع الزراعي.
وبذلك يتحول الكارت تدريجيًا من مجرد وسيلة للحصول على الدعم إلى أداة رقمية يمكن أن ترتبط بمجموعة أوسع من الخدمات والمعاملات الخاصة بالمزارع.
الأسمدة تحت الرقابة.. أين تذهب الحصة المدعمة؟
ومن أكثر الملفات التي تستفيد من منظومة التحول الرقمي ملف الأسمدة المدعمة، الذي يمثل أحد أهم عناصر دعم المزارعين.
وأشار فاروق إلى أن الوزارة تبنت نظامًا أكثر دقة لإحكام الرقابة على صرف مستلزمات الإنتاج، من خلال ربط الكميات المخصصة بالمساحات الزراعية ونوع المحصول، بما يحد من فرص التلاعب أو صرف كميات لا تتناسب مع الاحتياجات الفعلية.
وتقوم الوزارة باستلام الكميات المقررة سنويًا من شركات الإنتاج، ثم توزيعها وفق منظومة حوكمة دقيقة على قطاعات التوزيع، وصولًا إلى المزارعين المستحقين.
والهدف من هذه المنظومة هو الانتقال من التعامل مع الدعم باعتباره عملية توزيع تقليدية إلى منظومة تعتمد على البيانات والتتبع والرقابة.
الأرض نفسها تحصل على «رقم قومي»
ولا تتوقف عملية الرقمنة عند المزارع أو الأسمدة، بل امتدت إلى الأرض الزراعية ذاتها.
وأوضح وزير الزراعة أنه تم إطلاق منظومة الرقم القومي للأرض الزراعية، والتي تمنح كل قطعة أرض كودًا رقميًا فريدًا وثابتًا، بما يسمح بحصر الأراضي الزراعية بصورة أكثر دقة.
ويرتبط هذا الرقم بكارت الفلاح، لتكوين صورة أكثر شمولًا عن المزارع والأرض والمحصول ومستحقات الدعم.
الأهم أن المنظومة تتيح رصد التغيرات التي تطرأ على الأراضي الزراعية، بما يساعد على اكتشاف أي تعديات بصورة فورية وسريعة، ويدعم جهود الدولة في حماية الرقعة الزراعية.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد احتياجات الحقول؟
وفي خطوة تتجاوز مجرد حفظ البيانات، تعمل الوزارة على بناء منصة موحدة لبيانات القطاع الزراعي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد.
هذه المنظومة تستهدف الاستفادة من البيانات الضخمة والصور والمعلومات الزراعية في تحسين عملية اتخاذ القرار، ومتابعة التغيرات التي تحدث في الأراضي والمحاصيل، وصولًا إلى تقديم خدمات أكثر دقة للمزارعين.
كما تم إطلاق أول مكتبة إلكترونية ذكية لدعم المزارعين، إلى جانب تطوير منظومة الإرشاد الزراعي الرقمي، من خلال مبادرات تستهدف تقديم المعلومة والنصيحة للمزارع في الوقت المناسب.
«اسأل واستشر قبل ما تدفع كثير».. الإرشاد يدخل عصر الإنترنت
ضمن توجه الوزارة لتقريب الخدمات من المزارعين، تم إطلاق مبادرات رقمية للإرشاد الزراعي، من بينها «اسأل واستشر قبل ما تدفع كثير»، ومبادرة «معاك في الغيط».
وتستهدف هذه المبادرات توفير المعلومات والتوصيات الفنية للمزارعين، ومساعدتهم على اتخاذ قرارات أفضل بشأن المحاصيل ومستلزمات الإنتاج، بدلًا من الاعتماد على مصادر غير موثوقة قد تكلف المزارع خسائر إضافية.
وهنا تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيلة لحفظ البيانات إلى أداة مباشرة لخدمة المزارع داخل الحقل.
خريطة سمادية لـ16 محافظة.. التربة تحدد احتياجاتها
وفي جانب آخر من التحول نحو الزراعة القائمة على البيانات، أعد العلماء والخبراء بمركز البحوث الزراعية الخريطة السمادية لـ16 محافظة، بهدف تحديد الاحتياجات المثلى من الأسمدة وفقًا لنوع التربة والظروف البيئية.
اقرأ أيضا: محافظ الغربية يبحث مع قيادات وزارة الزراعة دعم مزارعي ومصنعي الكتان وتذليل تحديات القطاع
وتساعد هذه الخرائط في ترشيد استخدام المدخلات الزراعية، بحيث يحصل النبات على احتياجاته الفعلية من العناصر الغذائية، بدلًا من الاستخدام العشوائي أو المبالغ فيه للأسمدة.
ويتزامن ذلك مع جهود التوسع في استخدام البدائل العضوية والحيوية، حيث تم تسجيل 143 منتجًا عضويًا محليًا، بما يدعم التوجه نحو مدخلات زراعية أكثر كفاءة واستدامة.
البطاطس تحت «الرادار» من الحقل إلى التصدير
ومن أكثر التطبيقات اللافتة للتحول الرقمي داخل القطاع الزراعي، رقمنة منظومة العفن البني في البطاطس وربطها بنظم المعلومات الجغرافية «GIS».
وتسمح هذه المنظومة بتتبع المحصول منذ مرحلة الزراعة وحتى التصدير، بما يعزز قدرة الجهات المختصة على متابعة المناطق والمحاصيل والتأكد من سلامة الإجراءات المرتبطة بها.
كما تم تعزيز الشراكات مع جهاز «مستقبل مصر» من خلال شركة «ديجيتال سمارت تري» لتطوير البنية الرقمية للقطاع الزراعي، ودعم تطبيقات التكنولوجيا الحديثة في إدارة ومتابعة الأنشطة الزراعية.
من الورق إلى البيانات.. هل تتغير طريقة إدارة الزراعة؟
ما يحدث داخل القطاع الزراعي لا يقتصر على إدخال أجهزة أو إطلاق منصات إلكترونية، وإنما يمثل تحولًا تدريجيًا في طريقة إدارة الزراعة نفسها.
فمع وجود كارت فلاحي إلكتروني، ورقم قومي لكل قطعة أرض، وقاعدة بيانات لملايين الحيازات، وخرائط سمادية، ومنصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ونظم لتتبع المحاصيل، تصبح البيانات عنصرًا رئيسيًا في إدارة الدعم والإنتاج والرقابة.
والرهان الأكبر هو أن تساهم هذه المنظومة في تحقيق معادلة أكثر دقة: دعم يصل إلى مستحقه، وسماد يذهب إلى الأرض التي تحتاجه، وبيانات تكشف التغيرات في الوقت المناسب، ومزارع يحصل على المعلومة قبل اتخاذ القرار.
وبذلك تدخل الزراعة المصرية مرحلة جديدة، لا يصبح فيها الحقل مجرد مساحة مزروعة، وإنما جزءًا من منظومة رقمية يمكن رصدها وتحليل بياناتها ومتابعتها بصورة أكثر دقة من الزراعة التقليدية.
اقرأ أيضا: انتهاء امتحانات الثانوية العامة الدور الثاني اليوم.. متى تُعلِن التعليم ظهور النتيجة؟