لو تكلّمتِ الكعبة | سبق
يتخيّل المقال لو أنّ الكعبة المشرّفة تتكلّم، فتكشف ما شهدته من دموع التائبين، وانكسار المتكبّرين، وصفاء قلوب البسطاء. يصف التحوّل الداخلي الذي يعيشه الحاجّ منذ لحظة رؤية الكعبة الأولى، حين تسقط أعباء السنين وتولد روح جديدة أقرب إلى الله وأرحم بالناس. يؤكد النص أن النجاة الحقيقية ليست في مظاهر الدنيا…
لو أنّ الكعبة المشرفة أُذِنَ لها أن تتكلّم، لارتجفتْ القلوبُ قبل الآذان، ولسمعَ العالمُ صوتَ التاريخِ وهو يخرجُ مبلّلًا بدموعِ العابدين، مثقلًا بأنينِ التائبين، معطّرًا بأعمارٍ كاملةٍ جاءتْ من أقاصي الأرض تحملُ فوق أكتافها تعبَ السنين، وخيباتِ الأيام، ووحشةَ الأرواحِ التي أضناها الركضُ الطويلُ في صحارى الحياة.
منذ آلافِ الأعوام، وهي واقفةٌ في موضعها العظيم، لا يضرّها تعاقبُ الملوك، ولا تغيّرُ الأمم، ولا سقوطُ الحضارات، تستقبلُ في كلِّ موسمٍ هذا السيلَ البشريَّ الهائل؛ وجوهًا أحرقتها الذنوب، وقلوبًا أرهقتها الدنيا حتى ما عادتْ تعرفُ إلى الطمأنينة طريقًا، وأرواحًا تكسّرتْ طويلًا تحت ثقلِ الفقد، والخوف، والوحدة، ثم جاءتْ أخيرًا إلى البيتِ العتيق وكأنّها جاءتْ إلى الحضنِ الأخيرِ الذي لا يُغلق.
ولو تكلّمتِ الكعبةُ لقالت: “ما أكثرَ الذين جاؤوني وهم يظنون أنّ أعمارَهم قد ضاعتْ في متاهاتِ الدنيا، وأنّ قلوبَهم استهلكها التعبُ حتى لم يبقَ فيها موضعٌ للفرح، ثم عادوا من حولي وهم يشعرون أنّ اللهَ منحهم روحًا جديدة، وأنّ الرحمةَ قادرةٌ على أن تُعيدَ بناءَ الإنسان ولو تهدّمَ داخله ألفُ مرة.”
ولو تكلّمتِ الكعبةُ لقالت: “رأيتُ وجوهًا كانتْ الدنيا تنحني لها مهابةً وسلطانًا، فلما وقفتْ أمامَ الله تكسّرتْ فيها كلُّ معاني الكبرياء، وارتجفتْ أصواتُ أصحابها كما ترتجفُ أصواتُ الأطفالِ حين يبكون خوفًا وشوقًا، ورأيتُ بسطاءَ لا يعرفُ أسماءَهم أحدٌ في الأرض، لكنّ أبوابَ السماءِ كانت تُفتحُ لهم لأنّ قلوبَهم كانت أنقى من ضجيج الحياة.”
ولو تكلّمتِ الكعبةُ لحدّثتنا عن تلك اللحظةِ التي تقعُ فيها العينُ عليها لأولِ مرة… حين يشعرُ الإنسانُ أنّ شيئًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدره قد سقط فجأة، وأنّ روحَه — بعد سنواتٍ من الغربةِ الداخلية، والضياعِ الصامت، والانكساراتِ التي أخفاها عن الناس طويلًا — قد عادتْ أخيرًا إلى موطنها الأول.
فكم رأتْ من أعينٍ دخلتِ الحرمَ جافةً من شدّةِ ما أنهكَها الصبر، ثم خرجتْ والدموعُ تفيضُ منها كأنّ القلبَ كلَّه قد ذاب.
وكم سمعتْ من دعواتٍ خرجتْ مرتجفةً من صدورٍ لم تعدْ تحتملُ أوجاعَها، لأنّ أصحابَها وجدوا هناك مكانًا لا يحتاجُ الإنسانُ فيه إلى ادّعاءِ القوّة، ولا إلى إخفاءِ كسورِ روحه، فاللهُ يعلمُ ما أخفتهُ القلوبُ قبل أن تنطقَ به الشفاه.
ولو تكلّمتِ الكعبةُ لقالت: “ليس أشدَّ الناسِ بُعدًا أولئك الذين كثرتْ ذنوبُهم، بل أولئك الذين ماتتْ قلوبُهم حتى وهم يطوفون حولي؛ فلا كلُّ من بكى تغيّر، ولا كلُّ من طافَ وصل، ولا كلُّ من رفعَ يديه عرفَ اللهَ حقَّ المعرفة.”
ولو تكلّمتِ الكعبةُ لهمستْ لكلِّ روحٍ أتعبها الطريق: “لا تجعلوني صورةً محفوظةً في هاتفك، ولا ذكرى جميلةً ترويها بعد عودتك، بل اجعلوني بدايةَ القلبِ الجديد، واللحظةَ التي وُلِدتَ فيها من جديد، أقربَ إلى الله، وأصدقَ مع نفسك، وأرحمَ بالناس.”
ثم لقالتْ لنا جميعًا: “أنتم إلى اللهِ أفقرُ من فقرِ الأرضِ إلى المطر، وأشدُّ حاجةً إليه من حاجةِ العيونِ إلى الضوء، وما جئتم إلى هنا إلا لأنّ أرواحكم — رغم كلِّ ما غرّتها الدنيا — كانت تعرفُ في أعماقها أنّ النجاةَ الحقيقية ليست في الناس، ولا في المال، ولا في الشهرة، بل في قلبٍ وجدَ اللهَ أخيرًا.
وهناك… حول البيتِ العتيق… تسقطُ من الإنسان أشياؤه الكثيرة، ويبقى هو.
يبقى ذلك الكائنُ الضعيفُ الذي أتعبتهُ الحياةُ وهو يحاولُ أن يبدو قويًّا أمام الناس، وأرهقتهُ الدنيا وهو يطاردُ سرابَ الاكتمال، حتى إذا وقفَ في حضرةِ الله أدركَ فجأةً أنّه لم يكن يحتاجُ إلى العالم كلِّه… بل كان يحتاجُ إلى طمأنينةٍ صغيرةٍ تسكنُ قلبه.
هناك يفهمُ الإنسانُ أنّ أكثرَ المعاركِ التي خاضها في الدنيا لم تكن تستحقُّ كلَّ هذا النزيف، وأنّ كثيرًا من الأشياءِ التي ظنّها نهايةَ حياته لم تكن سوى غبارٍ عابرٍ في طريق العمر، وأنّ النجاةَ الحقيقية ليست في أن ينتصرَ الإنسانُ على الناس، بل في أن ينجوَ بقلبه من قسوةِ الدنيا ووحشةِ البُعد عن الله.
هناك… تذوبُ الأصواتُ كلُّها، ولا يبقى إلا صوتُ الروح وهي تبكي بصمتٍ بين يدي خالقها، كأنّ العمرَ كلَّه كان رحلةَ عطشٍ طويلة، وجاءتْ أخيرًا إلى النبع.
فاللهمَّ يا ربَّ هذا البيتِ العظيم، زِدْه تشريفًا وتعظيمًا ومهابة، وازرعْ في القلوبِ شوقًا لا ينطفئ إليه، وارزقنا زيارةً لا تكونُ مجرّد سفرٍ إلى مكان، بل عودةً حقيقيةً إليك، واكتبْ لنا عنده دمعةً صادقةً تُطفئُ حرائقَ أرواحنا، ودعوةً لا تُرد، وقلبًا جديدًا إذا عادَ من رحابك عادَ أخفَّ ذنبًا، وأنقى روحًا، وأقربَ إليك من كلِّ ما مضى.
أخيرًا: حجٌّ مبرور، وسعيٌ مشكور، وذنبٌ مغفور، وعملٌ صالحٌ متقبَّل، وتجارةٌ لن تبور، وتقبّل الله منّا ومنكم صالحَ القولِ والعملِ والطاعات.

تعليقات