الرياضة

العلاقات الشخصية تفتح الأبواب.. والاتساق الاستراتيجي يبني التحالفات الدائمة

في تحليل معمق لمستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتوازنات القوى الإقليمية والدولية، قدمت الباحثة القانونية والخبيرة في سياسات الاتحاد الأوروبي الدكتورة كاميلا زاريشتا-رومانوفسكا، رؤية شاملة تناولت فيها طبيعة الدبلوماسية الأمريكية، وإعادة تشكيل التحالفات داخل الحلف فضلًا عن العجز في تقاسم الأعباء الدفاعية وتأثيره على الجاهزية الأوروبية.

​دبلوماسية الكيمياء الشخصية ومؤسسية القرار الأمريكي

​اكدت الدكتورة كاميلا زاريشتا-رومانوفسكا إلى أن نهج الرئيس ترامب في السياسة الخارجية يتأثر بشدة بالعلاقات الشخصية، حيث تلعب الثقة والتواصل المباشر والكيمياء السياسية دور مهم في دبلوماسيته وبالنسبة للرئيس ترامب يمكن أن تتحول الروابط الشخصية مع القادة إلى أداة للمفاوضات الإستراتيجية والنفوذ السياسي.

​وحذرت الخبيرة القانونية في تصريحات خاصة لـ”مصر تايمز” من اختزال المواقف في الجوانب الفردية، مؤكدة أنه سيكون من الخطأ تحليل السياسة الأمريكية من خلال التفضيلات الشخصية فقط فخلف كل رئيس أمريكي تقف بنية أمنية معقدة ومتطورة تضم دبلوماسيين وأجهزة استخبارات ومؤسسات عسكرية ومستشارين قانونيين وهم من يشكلون القرارات طويلة المدى.

​الثقل الجيوسياسي لتركيا وشبكات التنسيق الناشئة

​وشددت زاريشتا-رومانوفسكا على أن أهمية الرئيس أردوغان تعكس الثقل الجيوسياسي لتركيا، وتركيا ليست مجرد عضو في حلف الناتو بل هي دولة تقع عند نقطة التقاء الأمن الأوروبي، وديناميكيات البحر الأسود والقوقاز والاستقرار في الشرق الأوسط، وإن دورها في الأمن البحري ومسارات الطاقة وتحديات الهجرة والدبلوماسية الإقليمية يجعل من أنقرة فاعلاً لا غنى عنه.

​كما رصدت الخبيرة نمط جديد من التنسيق الإستراتيجي بين بعض أقرب شركاء الرئيس ترامب داخل حلف الناتو، بما في ذلك الرئيس أردوغان والرئيس البولندي كارول نافروكي، ونبهت إلى أنه لا ينبغي تفسير ذلك على أنه إنشاء لمجموعة متنافسة داخل الناتو، بل كشبكة ناشئة من الحلفاء الذين تتلاقى مصالحهم الإستراتيجية بشكل متزايد إذ تمثل بولندا البعد الشرقي للأمن الأوروبي بينما تمثل تركيا الجسر الرابط بين أوروبا والبحر الأسود والشرق الأوسط، ويمكن أن يساهم التنسيق الأقوى بينهما في تعزيز موقف الناتو ردعاً وأمناً ومرونة، وترى الخبيرة أن القضية الأساسية تظل هي مدى القدرة على تحويل العلاقات السياسية إلى تعاون مؤسسي، فالدبلوماسية الشخصية تفتح الأبواب، ولكن الاتساق الإستراتيجي وحده يبني تحالفات دائمة.

​عجز تقاسم الأعباء في الناتو والمحاسبة الإبداعية

​وحول الجدل المثار بشأن تقاسم الأعباء داخل الحلف، رفضت الدكتورة كاميلا زاريشتا-رومانوفسكا اختزال مستقبل الناتو في سؤال بسيط بين زيادة الإنفاق الأوروبي أو انسحاب أمريكي، مؤكدة أن العلاقة العابرة للأطلسي تظل أساسية إستراتيجياً، مع وجوب تحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن دفاعها نظراً لتغير البيئة الأمنية العالمية.

​وفي لفتة انتقادية، بينت الخبيرة أن توجيه أصابع الاتهام إلى فرنسا أو إيطاليا يخطئ في تحديد المكان الحقيقي للعجز، حيث وضعت كلا الدولتين بالفعل خطط ملموسة لرفع التزاماتهما، وبدلاً من ذلك، يتركز الخلاف الحالي على دول تتخلف ملحوظاً؛ حيث تحتل إسبانيا حالياً أدنى أولويات الاستثمار العسكري مع رفض قيادتها علناً التماشي مع مسارات الإنفاق طويلة المدى، وبالمثل تستمر دول مثل بلجيكا وكندا في التباطؤ وبالكاد تتخطيان حد الـ 2%، بينما تعتمد دول أخرى مثل التشيك على المحاسبة الإبداعية عبر تصنيف ترقيات السكك الحديدية المدنية المؤدية للوجهات السياحية كأجزاء من نفقات الدفاع بدلاً من تمويل الجاهزية العسكرية الفعلية.

​أزمة الإنتاج الدفاعي وسلاسل الإمداد الأوروبية

​وأشارت الخبيرة إلى أن هذا النقص في الالتزام المالي يضاعف تحدي صناعي كبير في أوروبا فحتى مع زيادة الميزانيات، لا يوجد توفر غير محدود للمعدات العسكرية الجاهزة للشراء نتيجة الطلب غير المسبوق على الذخيرة والدفاع الجوي والصواريخ بسبب الحرب في أوكرانيا وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

أكدت زاريشتا-رومانوفسكا على ضرورة أن يتجاوز النقاش مجرد الأرقام المالية؛ فالدفاع يتعلق بالجاهزية العملياتية والقدرة الصناعية والتعاون الاستخباراتي والتحرك العسكري والمرونة المجتمعية وهو السبب وراء استثمار أوروبا في قدراتها الصناعية عبر مبادرات تحت مظلة الإدارة العامة للصناعات الدفاعية والفضاء (DG DEFIS) بهدف خلق ركيزة أوروبية أقوى داخل الناتو وتقليل الثغرات، وليس استبدال الولايات المتحدة، واختتمت هذا المحور بالتشديد على أن الدفاع الحديث يتطلب سلاسل إمداد آمنة والحد من الاعتماد على التقنيات الصينية في المناطق الحساسة.

​ملف مقاتلات F-35 والتوازن المعقد بين تركيا وإسرائيل

​وفي ختام تصريحاتها دعت الدكتورة كاميلا زاريشتا-رومانوفسكا إلى تجنب النظر إلى العلاقات الإقليمية باعتبارها خياراً بين تركيا وإسرائيل، مؤكدة أن الشراكات الإستراتيجية ليست عملية حسابية صفرية ولكلا البلدين أدوار مهمة في البنية الأمنية الأوسع للمنطقة.

​وحول ملف مقاتلات F-35، أوضحت الخبيرة أن القضية ليست مجرد قرار سياسي بل تتضمن حماية التكنولوجيا المتقدمة، والاعتبارات الاستخباراتية، والتوافق العملياتي والأطر القانونية التي تحكم الصادرات الدفاعية، ورغم أن الدبلوماسية الشخصية للرئيس ترامب قد تؤثر على أجواء المفاوضات، فإن القرارات المتعلقة بالقدرات العسكرية المتقدمة تتشكل في النهاية من خلال حسابات إستراتيجية أوسع وتقييمات استخباراتية وعمليات مؤسسية. 

وأنهت تصريحاتها بالقول إن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على التوازن في منطقة معقدة، وأن مستقبل الأمن لن يعتمد على منظومات الأسلحة فحسب، بل على المرونة والتعاون الاستخباراتي والتوافق العملياتي والقدرة على منع التصعيد من خلال الجاهزية والاستعداد.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *