الحج من «الدواب» وحوض «الهينو» إلى القطار الذكي – أخبار السعودية

الحج من «الدواب» وحوض «الهينو» إلى القطار الذكي – أخبار السعودية

كانت رحلة الحج قديماً شاقة قد لا يعود منها الحاج، إذ يحرص الحجاج على وداع أحبابهم وأصحابهم، فهم مقدمون على مخاطر الجوع والعطش، ينتقلون بين الجبال والصحراء للوصول إلى المشاعر المقدسة عبر الدواب أو سيراً على الأقدام لشهور طويلة قبل الوصول.

وكانت تلك الرحلة للحاج قد تكلفه حياته فلا يعود منها، تصادفه الشدائد متحملاً وعورة الطريق ونُدرة المياه وتقلبات الطبيعة وقطّاع الطرق، ليعقب تلك الفترة الحج فوق أسطح شاحنات (الهينو)، إذ استخدمها كثير من الحجاج دون مأكل أو مشرب، فكل حاج عليه أن يحضر زاده معه وأن يتحمل كل المشقة التي يواجهها من كوارث طبيعية وسيول جارفة.

ورغم أهمية تلك الوسائل في زمانها، فإن رحلة الحج كانت تستغرق أحياناً عدة أشهر، وسط تحديات شاقة تمثلت في وعورة الطرق، وتقلبات الطقس، وندرة المياه في بعض المسارات، الأمر الذي جعل أداء الفريضة يتطلب صبراً وجهداً كبيرين.

من الإبل إلى الوسائل الحديثة

وشهدت وسائل النقل في الحج تحولات جذرية عبر العقود، فتحول النقل التقليدي البسيط إلى منظومة رقمية حديثة ترافقها الجهود الأمنية والتنظيمية التي رافقت هذا التطور، فرحلة الحج إلى الأماكن المقدسة التي تستغرق شهوراً على ظهور الإبل أصبحت تستغرق سويعات من أقصى بقاع الأرض إلى بيت الله الحرام، وانتقلت من الوسائل التقليدية البسيطة إلى مشاريع عملاقة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، التي عكست التطور الذي تعيشه المملكة من بنى تحتية ورؤية شاملة وواضحة لخدمة الدين والمواطن والمقيم وضيوف الرحمن من معتمرين وحجاج.

من البر إلى البحر

مراحل تطور وسائل النقل في الحج شهدت تحولاً مهماً مع دخول النقل البحري، إذ أصبحت السفن التقليدية والبخارية تنقل الحجاج القادمين من دول آسيا وأفريقيا عبر البحر الأحمر إلى ميناء جدة الإسلامي، الذي شكّل لعقود طويلة البوابة الرئيسية لعبور ملايين الحجاج إلى مكة المكرمة، قبل أن تتطور خدمات الموانئ والبنية المرتبطة بها في سبيل راحة الحجاج ودعم تنقلاتهم.

ومع تطور وسائل النقل، بدأت المركبات الحديثة والحافلات تدخل إلى منظومة الحج، وأسهم إنشاء الطرق السريعة في المملكة العربية السعودية في تسريع حركة التنقل بين مكة المكرمة والمشاعر المقدسة والمنافذ البرية والمطارات، ما اختصر زمن الرحلات، ورفع مستويات السلامة والراحة للحجاج، وحقق رفاهيتهم في التنقل نحو المشاعر المقدسة.

الطيران يدخل الخط

وكان التحول الجذري في دخول الطيران المدني في نقل الحجاج، حيث أصبحت الطائرات الوسيلة الأبرز لوصول ملايين الحجاج سنوياً من مختلف قارات العالم إلى المملكة في رحلات تستغرق ساعات قليلة بدلاً من أسابيع أو أشهر.

وأصبحت المطارات السعودية تستقبل الحجاج عبر منظومة تشغيلية متقدمة تشمل صالات مخصصة للحجاج، وتقنيات حديثة لتسهيل إجراءات الوصول والمغادرة، بما يضمن انسيابية الحركة منذ لحظة وصول الحاج إلى المملكة وحتى انتقاله إلى المشاعر المقدسة.

ولم تتوقف عجلة التطور في خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله، فطورت المملكة منظومة نقل متكاملة داخل مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، تعتمد على أحدث التقنيات لإدارة حركة الحشود بكفاءة عالية، ومن أبرزها مشروع قطار المشاعر المقدسة وقطار الحرمين، اللذين يعدان من أهم المشاريع النوعية في إدارة النقل خلال موسم الحج.

ويعمل قطار المشاعر المقدسة وفق منظومة تشغيلية ذكية تربط بين مشاعر منى وعرفات ومزدلفة عبر مسارات مخصصة، تسهم في نقل أعداد كبيرة من الحجاج بانسيابية عالية، والحد من الازدحام المروري خلال أوقات الذروة، بما يعزز مستويات السلامة والتنظيم.

ويمثل قطار الحرمين السريع نقلة نوعية في خدمات النقل المرتبطة بالحج والعمرة، إذ يربط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة مروراً بجدة ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ويوفر وسيلة نقل سريعة وآمنة وصديقة للبيئة، تختصر زمن الرحلة بين مكة والمدينة إلى نحو ساعتين.

«الشهراني» وحوض «الهينو»

يتذكر كبار السن تلك الرحلة الشاقة وهم يمسحون أعينهم وكأن حبات الغبار لا تزال عالقة بها، فيقول سعود الشهراني: «حججت مع والدي قبل 45 عاماً، وكنت في الـ16 من عمري، وكان الوصول لمكة المكرمة صعباً، خصوصاً انتقالنا من جنوبي المملكة نحو المشاعر المقدسة».

ويضيف الشهراني: «كانت وسيلة وصولنا لمكة على متن شاحنة من نوع (الهينو)، بها حوض خلفي عليه سواتر، وكنا نتزود بالأكل والماء، وأتذكر واجهتنا مصاعب في أحد الأودية بسبب ارتفاع منسوب المياه فيه لثلاثة أيام، ولم نستطع عبوره آنذاك حتى انخفض المنسوب وواصلنا رحلتنا نحو مكة».

ويروي أحمد السلمي الصعوبات التي كانت تصادف الحجاج قديماً على متن وسائل النقل مثل ضربات الشمس، والغبار، والمطر، والبرودة، واليوم يصل الحاج للمشاعر عبر استخدام قطار الحرمين والطائرات في ساعات.