مداد النيل على رمال العيون.. رحلة الروح والصورة – أخبار السعودية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
لا يمر العابر من مدن المغرب كما تمر الريح دون أثر، فمن طنجة شمالاً إلى الكويرة جنوباً، ومن وجدة إلى الأطلسي، يقيم كل من مر من هناك في الذاكرة ولو لم تطأ قدمه إلا عتبة عابرة ذات مرة، وفي كل مرة أعود فيها إلى المغرب أغادره بذاكرة مثقلة بالصور، ليس لأنقل أخباراً، بل لأحكي سيرا، جديرة بالخلود كما تحتفظ كل شوارع مدنه بذاكرة مخلدة تحفظ مجد قرون خلت وتؤسس لنهضة تسابق الزمن.
من طنجة المعلقة على حافة البحرين وبوابته الشمالية، إلى الكويرة الواقفة على مشارف السديم الصحراوي وبوابته الجنوبية، ومن وجدة المحتشدة بعبق الشرق إلى مرايا الأطلسي المترامية، يبدو المغرب كسيمفونية يكمل فيها اللحن أهله، وتتآخى تحت ظلالها الهوية البصرية بالروح الساكنة، وهو التناغم الذي لم يكن يوماً ترفاً جمالياً، بل كان ديدن الحياة، ومصهر الأمان، والركيزة التي نهضت عليها مدائن تبذر التنمية فتحصد الاستقرار والتنمية.
قبل سنوات، كنت في مهمة عمل في مدينة العيون، وبالطبع كنت أحمل في جعبتي، كغيري من العابرين، صوراً ذهنية شائهة روجت لها منصات الإعلام خلف الشاشات، صوراً تلبس الجنوب ثوب العزلة والجفاء، غير أن رمال العيون كشفت لي عن وجهها الحقيقي منذ اللحظة الأولى، تلك المدينة التي تنبض بالتطور، وتتسع شوارعها لغد واعد لا يقل بهاء عن شقيقاتها في الشمال المغربي.
حين انفض سامر الفعالية الدبلوماسية، تركت كل شيء خلفي، ومضيت كباحث يتأمل أزقتها وشوارعها الحيوية ومقاهيها وملامح ساكنيها، حاورت الباعة في دكاكينهم الصامتة، وكان العجب في تلك الألفة الفطرية، لم يسألني أحد عن هوية أو جواز سفر، بل كان يكفيهم أن يرتدوا إلي طرفي حتى يبتسموا قائلين: انت مصري؟ كنت أجيب بملء الروح، وبلسان يتقن لغتهم: (نعم أنا مصري لكنه نهضر الدارجة المغربية بزاف)، في تلك اللحظة تتلاشى المسافات بين قاهرتي وعيونهم، وذابت الفوارق في كأس «أتاي» دافئ.
مغاربة الجنوب، تماماً كمغاربة الشمال والشرق، نسجوا من تنوعهم رداء واحداً للمملكة، رداء لا يمكن لمن مر به أن يخرج منه كما دخل، دون أن تسكنه المدن والشوارع وحالة الترحاب والكرم.
ثمة خيط خفي ينظم حبات العقد المغربي، روح صوفية تسري في العروق دون ادعاء، ليست من تلك التي يراها البعض انغلاقاً أو «دروشة»، بل هي مقام الإحسان في التعامل اليومي، صوفية تهذب اللسان وتدفع المرء لإعلاء شأن الغريب وإكرام الضيف، إذ يمكن لأي عابر أن يلمس هذه الروح في ترحيب، أو في مفردة بالغة التهذيب تنطلق من لسان أستاذ جامعي أو بائع بسيط على رصيف السوق، هذا ما أجده دائماً مع كل زيارة لمدينة ما أو حتى في مهمة عمل ما.
لم تكن تلك السيدة القاطنة في مدينة العيون المغربية، التي أبت إلا أن تطوق عنقي بزجاجة من «زيت الأركان» النادر بعد أن ابتعت منها بعض الأغراض، تدري أنها بقطرات الزيت تلك، تعيد رسم ملامح الطيبة المغربية بصورة لم تكن وحيدة، بل كانت قطعة «موزاييك» مكملة للوحات أخرى عثرت عليها في كل مدينة أو زرتها على اتساع جغرافية المغرب.
حين اهتزت الأرض في زلزال الحوز عام 2023، وكنت هناك في أعالي جبال الأطلس الشامخة، استوقفنا رجل لا أعرف ملامحه بدقة ولا اسمه، وسط مدقات جبلية وعرة كادت تسدها الصخور المتساقطة، أوقفنا لا ليسأل المعونة، بل ليقاسمنا كرم يده وقلبه (ماء، وتمراً، وتفاحًا جففته قسوة المرتفعات)، جلس يسألني عن تفاصيل مصر وعن أزقتها الضيقة بشغف حار، كأنه ترك روحه هناك يوماً في طفولته المنسية.
هذا الموقف الجبلي كان يصافح بالذاكرة يداً أخرى في فاس التاريخية، فاس التي تمد أصابعها من عتمة دكاكينها العتيقة لتقدم لك الحلوى و«الأتاي»، حيث يجبرك الباعة على الجلوس والاستماع إلى أحاديثهم العذبة لنحو نصف ساعة، دون أن تشعر بملل، وكأن الوقت في حضرة فاس يتوقف إجلالاً لماضيها وحاضرها الثري، وتشابه شوارعها بخان الخليلي والحسين والأزهر.
أما طنجة، عروس الأطلسي والمتوسط، فلها حكاية أخرى، في كل مرة أطأ فيها أرضها، يستقبلني بحرها برائحة يود الأسكندرية، وتطاردني أصوات العاملين في مقاهيها التاريخية كما في مقهى الفيشاوي وأم كلثوم منطقة الحسين بالقاهرة، تلك المقاهي التي تفوح بعطر «النعناع واللويزة» والبهجة، وتكتسي بطابع مغربي أصيل يأسر العابرين.. طنجة مدينة لا تغادرك وإن غادرتها، تظل عالقة في مسام روحك.
في استحضار الصور الذهنية لا يغيب عن خاطري ذلك المشهد المهيب لمسؤول متحف ابن بطوطة، قبل سنوات، حين وصلنا إلى عتبة المتحف على غير أوقات العمل رفقة صديقي رشيد وربيع، وكانت الأبواب أوصدت، وحين لاحت خيبة الأمل في عيني، وقلت له «إنني قادم من مصر، ومن الصعب علي أن أترك طنجة دون أن أزور شيخ الرحالة ابن بطوطة، الذي جاب الآفاق في زمن كانت فيه الخطوة سفراً والمسافة موتاً». هز الرجل رأسه احتراماً، وفتح لنا الأبواب في زيارة خاصة واستثنائية دون مقابل، متجاوزاً صرامة اللوائح من أجل عينين جاءتا من أرض الكنانة، ففي المغرب لا توصد الأبواب في وجوه العابرين والمحبين، هذا الموقف ظل منقوشاً في مخيلتي، وصار طقساً من طقوسي، فلا أدخل طنجة دون أن أعرج على المتحف لألقي السلام على ابن بطوطة وعلى حراس إرثه.
ومن صخب طنجة إلى الدار البيضاء؛ «كازابلانكا» التي لا تنام، تماماً كقاهرتي الساهرة الساحرة، مدينة تضج بالحياة، وتتكامل في زحامها مع بقية لوحات هذا الوطن العظيم، التي تأخذ من الأطلسي مده وجزره، لتعيش في حالة من الحراك الدائم والهدير الصاخب، مباينة تماماً لهدوء الرباط وسكينتها، وشوارعها الأنيقة التي تمشي الخيلاء كأميرة في حفل ملكي دون أن تخشى الملل.
في الداخلة والعيون، وطنجة وفاس، وشفشاون الزرقاء، وأغادير المفتوحة على الأفق، والدار البيضاء والرباط وتطوان، وفي كل شبر من هذه الأرض، لا يعبر الناس كعابري سبيل، لكنهم يتركون خلفهم أثراً يخلد في النفوس، أثراً تجسده تلك الأزياء التراثية التي تحاكي وقار التاريخ، والطراز المعماري الذي يعانق السماء بنقوشه الهندسية المتقنة، لتظل هذه الرحلة فصلاً من فصول كتاب لا ينتهي، سطرت الكلمات فيه بمداد من المحبة والاعتراف بفضل محبتهم لمصر تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً.

تعليقات