فرحة النخبتين ماتت في غمضة عين – أخبار السعودية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
أي فرحة يمكن للمشجع الأهلاوي أن يهنأ بها ويواصل الاحتفال على إيقاعها، بعدما تحولت ليلة ظهور محمد القدادي من مناسبة كان يُفترض أن تضيف إلى رصيد الفرح الأهلاوي، إلى حدث أعاد فتح ملفات تاريخية ظلت لسنوات طويلة في دائرة المسكوت عنه؟
– أي احتفال يمكن أن يقام بعدما انتقل الحديث من بطولتي النخبة إلى وقائع وأحداث وشهادات ووثائق تاريخية عادت إلى الواجهة بصورة غير مسبوقة؟
– إن ما حدث لم يكن مجرد جدل لحظي أو اختلاف في وجهات النظر، بل سلسلة من المغالطات والتناقضات التي دفعت كثيرين إلى العودة للأرشيف، والتنقيب في صفحات قديمة من تاريخ الرياضة السعودية. وفجأة خرجت إلى العلن ملفات كانت محفوظة في “الحفظ والصون”، وباتت مادة يومية للنقاش والتداول، حتى خُيّل للبعض أن أصواتاً أهلاوية ترتفع بالدعاء: “يا رب استر”.
– الإعلام المهتم بالشأن الاتحادي، ومعه إعلاميون ومؤرخون رياضيون ومتابعون من مختلف الميول، انفجروا في منصة “إكس” بما يشبه الزلزال المعلوماتي. وكأن خزائن أُغلقت لعقود طويلة فُتحت دفعة واحدة، لتخرج منها وثائق وشهادات وأحداث أعادت قراءة كثير من الوقائع من زاوية مختلفة.
– ومن بين أبرز تلك الملفات القضية الشهيرة المتعلقة باحتجاج نادي الاتحاد على مشاركة لاعب أجنبي قيل إن أنظمة البطولة لم تكن تجيز له المشاركة. وهي القضية التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الاتحاديين بوصفها واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، بعدما واجه النادي آنذاك قرارات رأى أنها افتقرت إلى الإنصاف، وكادت أن تلحق به أضراراً جسيمة لولا تدخلات لاحقة أنهت تلك الأزمة وأغلقت ملفها وأصبح ذلك القرار «حبراً على ورق».
– لكن الأمر لم يتوقف عند هذه القضية، بل امتد إلى ملفات أخرى تتعلق بما اعتبره كثيرون امتيازات استثنائية حظي بها الأهلي في مراحل مختلفة، من بينها قضية تجنيس بعض اللاعبين، وهي ملفات أعادت طرح سؤال العدالة الرياضية وتكافؤ الفرص بين الأندية، وأثارت نقاشاً واسعاً حول تأثير تلك الممارسات على بعض الإنجازات التي تحققت في تلك الحقبة.
– والأهم من ذلك أن كثيراً من المعلومات التي أُعيد تداولها أخيراً ليست وليدة اليوم، وليست من نسج خيال إعلامي أو اجتهادات جماهيرية متأخرة، بل إن بعضها موثق منذ سنوات في كتاب للزميل صالح العمودي، تضمن معلومات وشهادات تاريخية رُصدت بعلم وموافقة رائد الحركة الرياضية الأمير عبدالله الفيصل ـ رحمه الله ـ. وهذه نقطة جوهرية ينبغي التوقف عندها، لأنها تؤكد أن ما عاد إلى السطح مؤخراً لم يكن اختراعاً جديداً، وإنما حقائق وروايات ووثائق ظلت موجودة في الأرشيف حتى جاءت لحظة إعادة استحضارها.
– كما عاد الحديث مجدداً عن قضية شطب النادي الأهلي، وهي القضية التي استند المتناولون لها إلى وثائق وشهادات ومراجع تاريخية متعددة، إضافة إلى قصاصات صحفية ومقاطع مصورة تناولت تلك المرحلة. كما أُعيد تداول روايات مرتبطة بفترة انتقال عدد من اللاعبين الهلاليين إلى الأهلي، والدور الذي قام به مؤسس نادي الهلال الشيخ عبدالرحمن بن سعيد ـ رحمه الله ـ في دعم الأهلي خلال مرحلة صعبة من تاريخه، حتى وصل الأمر بالبعض إلى وصف تلك المرحلة بأنها كانت بمثابة عملية إنقاذ للنادي في ظروف استثنائية.
– وتوالت بعد ذلك الملفات التي ظلت لعقود بعيدة عن التداول الإعلامي المكثف، بدءاً من الحديث عن جماهيرية الأهلي في مراحل زمنية معينة، مروراً بقضية الانسحاب الشهيرة أمام الشباب، ووصولاً إلى الهبوط التاريخي إلى دوري يلو، لتتحول منصة “إكس” إلى أرشيف مفتوح يستدعي الوقائع القديمة ويعيد قراءتها أمام الجميع.
– لهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف يمكن أن يكون الحديث عن النخبتين هو العنوان الأبرز، بينما أصبحت هذه الملفات التاريخية هي محور النقاش الأول؟ لست ضد فرحة الأهلاويين بتحقيق بطولة النخبة مرتين متتاليتين، فهذا إنجاز رياضي يستحق الاحتفاء والتقدير. لكن ما حدث أن الاحتفال لم يعد هو الحدث الأبرز، بعدما تحولت الأنظار فجأة إلى التاريخ، وإلى ملفات ظن كثيرون أنها أُغلقت إلى الأبد.
– ومن يدري؟ فكما ظهرت في غمضة عين معلومات ووثائق وروايات كان البعض يعتقد أنها لن ترى النور، ربما تكشف السنوات المقبلة حقائق أخرى تتعلق بأحداث عن هاتين البطولتين وبطولات أخرى. فالتاريخ لا يموت، ولا يمكن دفنه إلى الأبد، وقد يتأخر ظهوره لكنه لا يختفي.
– لهذا أقول إن فرحة «النخبتين» لم تتراجع بسبب بطولة ضاعت أو إنجاز غاب، بل لأنها اصطدمت بتاريخ خرج من الأرشيف إلى العلن، فانتقل الحديث من الكؤوس والمنصات إلى الوثائق والشهادات والوقائع. وعندما يحدث ذلك، يصبح الاحتفال نفسه مجرد فرحة ميتة أمام قصة أكبر.
– ذلك هو التاريخ مهما طال الزمن أو قصر، لكنه يظل عصياً على التزييف والتزوير. تبقى أحداثه محفوظة في ذاكرة من عاشوها، وفي الوثائق والشهادات والأرقام التي لا تكذب، مهما حاول البعض إعادة صياغتها أو تقديمها بصورة مختلفة. فالتاريخ في النهاية لا ينسى، ولا يرحم.

تعليقات