أهم موارد الدول تُهدر كل عام..! – أخبار السعودية

أهم موارد الدول تُهدر كل عام..! – أخبار السعودية

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

تملك الدول موارد كثيرة؛ منها ما يُستخرج من الأرض، ومنها ما يُبنى بالمال، ومنها ما يظهر في المشاريع والأرقام. غير أن المورد الوحيد القادر على تحويل بقية الموارد إلى قيمة حقيقية هو الإنسان. فهو من يبتكر، ويُدير، ويُنتج، ويمنح التنمية معناها المستدام. وحين تتعطل الكفاءات، وتُستهلك سنوات الشباب في الانتظار، فإن ما يُهدر ليس وظيفة فقط… بل أحد أهم أصول الدول.

وغالبًا ما تُناقش البطالة بوصفها نسبة في تقرير، أو رقمًا في إحصائية، أو ملفًا اقتصاديًا مرتبطًا بسوق العمل. لكن الصورة الأعمق تكمن في ما وراء الأرقام؛ في العمر الذي يمضي خارج دائرة الإنتاج، وفي القدرات الجاهزة التي تبقى دون استثمار، وفي الطموحات التي تتراجع مع الوقت، وفي المعرفة التي تفقد جزءًا من قيمتها كلما طال انتظارها. فليست كل البطالة مرئية في الجداول؛ فبعضها يختبئ في العمل غير المستقر، وفي المؤهلات المعطلة، وفي من توقفوا عن المحاولة بعد طول انتظار.

فالإنسان لا يتخرج حاملًا شهادة فقط، بل يتخرج حاملًا سنوات من الاستثمار العام والخاص؛ تعليم، وبرامج تدريب، ووقت طويل صُرف ليصل إلى مرحلة الجاهزية. وحين يبقى بعد ذلك معطلًا أو مؤجلًا، فإن الخسارة لا تقع عليه وحده، بل تمتد إلى المنظومة كلها التي ساهمت في إعداده.

ولا تقتصر آثار العطالة على الجانب المادي. فغياب العمل لفترات طويلة قد يترك أثرًا نفسيًا عميقًا؛ إذ يفقد بعض الأفراد ثقتهم بأنفسهم، ويتراجع شعورهم بقيمتهم، ويبدأ الشك في جدوى الجهد الذي بذلوه. ومع مرور الوقت، قد يتحول الحماس إلى فتور، والمبادرة إلى تردد، والطموح إلى أمنية مؤجلة. ومن أكثر ما يثقل النفس أن يكون الإنسان قادرًا على العطاء، لكنه يظل مؤجلًا في دائرة الانتظار.

كما تمتد الآثار إلى الحياة الاجتماعية. فحين يتأخر الاستقلال المالي، تتأخر معه قرارات الزواج، وتأسيس الأسر، والاستقرار السكني، وتحمّل المسؤوليات الطبيعية. وتتحمل بعض الأسر أعباء إضافية لسنوات أطول من المتوقع، بينما يبقى أبناؤها عالقين بين التأهيل الكامل والبداية المؤجلة.

أما المجتمع، فيخسر أكثر مما يبدو. فهو لا يخسر فردًا بلا عمل فقط، بل يخسر ما كان يمكن أن يقدمه ذلك الفرد من إنتاج، أو خدمة، أو فكرة، أو مشروع، أو تجربة ملهمة لغيره. كما أن تكرار مشاهد الانتظار الطويل يرسل رسائل سلبية إلى الأجيال الجديدة، مفادها أن الاجتهاد قد لا يكفي، وأن الطريق بين التعليم والعمل ليس واضحًا كما ينبغي. وهذه رسالة باهظة الثمن لأي مجتمع يريد ترسيخ ثقافة الإنجاز.

إن تعطّل الموارد البشرية يعني تراجعًا في الاستفادة من الاستثمارات التعليمية، وتأخرًا في تعظيم الإنتاجية، وزيادة في الأعباء الاجتماعية والاقتصادية. فكل سنة يقضيها القادر خارج سوق العمل هي سنة مؤجلة من العطاء، وسنة مفقودة من النمو الممكن، وسنة لا يمكن استعادتها بالقيمة نفسها.

ومن المفارقات التي تستحق المراجعة، أن بعض الكفاءات قد تُستبعد أحيانًا بحجة أنها فوق المطلوب، وكأن مزيدًا من العلم أو الخبرة أصبح سببًا للرفض بدلًا من أن يكون فرصة إضافية للاستفادة. والسؤال هنا لا يتعلق بحالة فردية، بل بفلسفة أوسع: هل نبحث عن الحد الأدنى الذي يملأ الشاغر، أم عن القيمة الأعلى التي تصنع الفرق؟

كما أن بعض الجهات المعنية بالموارد البشرية قد تنشغل بالإجراءات أكثر من انشغالها بالأثر، بينما دورها لا ينبغي أن يقتصر على تطبيق الأنظمة فحسب، بل يمتد إلى التقاط الملاحظات المتكررة، ورفع المقترحات التطويرية، ونقل التحديات الواقعية إلى صانع القرار. فالمراجع لا يحمل طلبًا فرديًا دائمًا، بل قد يحمل مؤشرًا على خلل يتكرر، أو فكرة تستحق أن تصل، أو كفاءة تبحث عن مسار أكثر عدلًا ومرونة.

ولعل المعالجة الأهم لا تبدأ بعد سنوات الانتظار، بل قبل أن يتحول التعطل المؤقت إلى خسارة دائمة. فكلما طالت المسافة بين التأهيل والعمل، تراجعت المهارات، وضعفت الثقة، وارتفعت كلفة العودة. لذلك فإن سرعة احتواء الكفاءات، وفتح المسارات المرنة أمامها، ليس رفاهية إدارية، بل حماية لمورد لا يُعوّض.

إن معالجة البطالة لا تبدأ فقط بزيادة عدد الوظائف، بل بحسن إدارة رأس المال البشري، وربط التعليم باحتياجات المستقبل، ومرونة معايير التوظيف، وفتح المجال للكفاءة كي تُثبت أثرها. فالدول الناجحة لا تكتفي بإعداد الإنسان، بل تُحسن استخدامه بعد إعداده.

والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها، أن بعض الموارد إذا تعطلت أمكن تعويضها، أما الإنسان فإذا تعطلت سنوات عطائه الأولى، فإن ما يضيع ليس وقتًا فحسب، بل فرصة لا تتكرر بالشكل ذاته.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: كم عدد الباحثين عن عمل؟ بل: كم من الطاقات الوطنية نسمح لها أن تُهدر كل عام؟