«مرض الوجه» بين الخرافات والخطر – أخبار السعودية

«مرض الوجه» بين الخرافات والخطر – أخبار السعودية

شلل العصب السابع، المعروف طبياً باسم «شلل بيل»، من أكثر اضطرابات الأعصاب الطرفية شيوعاً، إذ يصيب عالمياً ما بين 15 و40 شخصاً لكل 100 ألف نسمة سنوياً، وكشفت دراسات سعودية معدلات تقارب 25 حالة لكل 100 ألف نسمة سنوياً، مع تسجيل نسب تعافٍ مرتفعة عند التشخيص المبكر وبدء العلاج خلال أول 72 ساعة.

وفي إطار تعزيز الوعي الصحي والوقاية من المضاعفات، تكثف وزارة الصحة السعودية جهودها التثقيفية عبر منصاتها الرسمية من خلال التعريف بأعراض المرض، وأهمية التمييز بينه والسكتة الدماغية، والتأكيد على ضرورة مراجعة الطبيب فور ظهور ضعف مفاجئ في أحد جانبي الوجه، إضافة إلى نشر إرشادات حماية العين والعلاج المبكر الذي يرفع فرص التعافي إلى نحو 80%.

وتتوافق الجهود مع توجهات المنظمات الصحية العالمية التي تؤكد أن شلل العصب السابع غالباً ما يكون حالة مؤقتة، وأن التدخل العلاجي السريع، إلى جانب التوعية المجتمعية، يسهمان في تقليل المضاعفات واستعادة وظائف عضلات الوجه لدى معظم المصابين، ما يجعل نشر المعرفة الصحية حول المرض أحد أهم أدوات الوقاية وتحسين جودة الحياة.

العصب والسكتة الدماغية

نائب المدير التنفيذي لمركز طب وجراحة الأعصاب والإصابات بمدينة الملك عبدالعزيز الطبية بالحرس الوطني في جدة، استشاري المخ والأعصاب الدكتور أحمد أحمد عبدالغفور عطار أوضح لـ«عكاظ»، أن «شلل بيل» يُعد الأكثر شيوعاً لشلل العصب الوجهي المحيطي الحاد أحادي الجانب، وغالباً ما يكون مجهول السبب، ويُعتقد أن الآلية المرضية ترتبط بالتهاب وتورّم العصب داخل القناة العظمية الضيقة، مع احتمال ارتباط ذلك بإعادة تنشيط فايروس الهربس البسيط، فـ«شلل بيل» يتصف بضعف كامل في نصف الوجه المصاب، بما في ذلك عضلات الجبهة، مع عدم القدرة على إغلاق العين، وفي المقابل، فإن السكتة الدماغية غالباً ما تُحفظ فيها حركة الجبهة نسبياً، وقد تترافق مع أعراض عصبية إضافية مثل ضعف الأطراف أو اضطراب النطق.

وأوضح الدكتور عطار، أن مقياس House-Brackmann يُستخدم لتصنيف شدة الشلل من الدرجة الأولى إلى الدرجة السادسة. وفي بعض الحالات، يمكن الاستعانة بالفحوصات الكهربائية لتقييم مدى إصابة العصب، ونسبة المرضى الذين يتعافون بشكل كامل تراوح بين 70% و80%، خصوصاً عند بدء العلاج المبكر، فيما تتسبب عوامل التأخر في بدء العلاج وشدة الشلل ووجود أمراض مزمنة مثل السكري الذي يُعد عامل خطورة لـ«شلل بيل» وقد يرتبط بشدة أكبر في تأخر التعافي، خصوصاً في حال عدم التحكم الجيد بمستوى السكر في الدم، فيما تبدأ ظهور علامات التحسن بعودة تدريجية لحركة عضلات الوجه، وتحسن القدرة على إغلاق العين، واستعادة التناسق الوجهي، وغالباً ما يظهر التحسن خلال الأسابيع الأولى، وتكون نسبة الشفاء لدى الأطفال بنسبة أعلى.

ليس مرضاً وراثياً تقليدياً

الدكتور العطار أوضح أن الحمل قد يزيد من احتمالية الإصابة، خصوصاً في الثلث الثالث من الحمل وفترة ما بعد الولادة، كونه يرتبط بالتغيرات الهرمونية واحتباس السوائل، وقد يترافق مع حالات ارتفاع ضغط الدم الحملي. واختتم عطار بالإشارة إلى أن بعض الدراسات تشير إلى وجود قابلية وراثية محدودة، إلا أن «شلل بيل» لا يُعد مرضاً وراثياً تقليدياً، وغالبية الحالات تحدث بشكل عفوي دون نمط عائلي واضح.

ميلان في شق الفم

رئيس ومشرف جراحة المخ والأعصاب بمستشفى الملك فهد سابقاً، استشاري جراحة المخ والأعصاب الدكتور سقاف علوي السقاف، يقول لـ«عكاظ»: إن شلل العصب السابع من الأمراض الشائعة التي يكثر تساؤل الناس عنها نظراً لتأثيرها المحتمل على نمط وجودة الحياة بعد الإصابة، وفهم هذا المرض يتطلب معرفة بعض المعلومات الأساسية عن العصب نفسه، إذ يمتلك الإنسان 12 زوجاً من الأعصاب القحفية التي تنشأ مباشرة من الدماغ على الجهتين، ويُعد العصب السابع أحد هذه الأعصاب، ويُعرف بالعصب الوجهي نظراً لتأثيره الحركي المباشر على عضلات الوجه، رغم أنه يتحكم أيضاً في وظائف أخرى مثل حاسة التذوق لثلثي اللسان، وإفرازات الغدد الدمعية وبعض الغدد اللعابية.

ويشير الدكتور السقاف، إلى أن العصب السابع يُعد من أكثر الأعصاب تعقيداً من الناحية التشريحية، بسبب تعدد نوى العصب داخل الدماغ وتنوع وظائفه وتشعب مساراته منذ خروجه من جذع الدماغ، مروراً بتراكيب دقيقة داخل الرأس وهذا التعقيد يجعل تشخيص الخلل في العصب وعلاجه يتطلب خبرات عالية ومتخصصة.

امضغوا اللبان!

ويضيف السقاف، أن أكثر أنواع شلل العصب السابع شيوعاً هو الشلل الناتج عن الالتهابات الفايروسية التي تصيب الجزء الطرفي (السفلي) من العصب، وهو النوع الذي يتساءل عنه أغلب الناس، مشيراً إلى أن معظم الحالات تُكتشف من قبل المريض نفسه أو من حوله، إذ يلاحظ وجود فقدان للتماثل في تعابير الوجه، وميلان في شق الفم، أو عدم القدرة على إغلاق العين في الجهة المصابة، وفي هذه الحالة يجب على المريض طلب المشورة الطبية لتجنّب حدوث مضاعفات دائمة، فالتشخيص في أغلب الحالات يكون تشخيصاً إكلينيكياً ويتركز العلاج على إيقاف الالتهاب وتخفيف التورم بالعلاج الدوائي، لمنع حدوث تأثيرات مستديمة على وظائف العصب، مع أهمية حماية العين باستخدام القطرات المرطبة والمراهم وتغطيتها أثناء النوم، إضافة إلى مضغ اللبان على الجهة الضعيفة لتحفيز العضلات، مع البدء بجلسات العلاج الطبيعي لتنشيط العصب وتحفيز عضلات الوجه، فأغلب الحالات وخصوصاً في المراحل الأولية، لا يوجد دور للتدخل الجراحي، إلا أنه قد يتم اللجوء لاحقاً إلى بعض الإجراءات الجراحية التجميلية لإصلاح الآثار المتبقية إن وُجدت.

ابتعدوا عن الخرافات

استشاري الأعصاب بمستشفى النور التخصصي بمكة المكرمة الدكتور ممدوح كلكتاوي، يرى أن شلل العصب السابع يُسمّى شعبياً «مرض الوجه»، ويُعد حالة عصبية غير نادرة، إذ يصيب ما بين 15 إلى 40 شخصاً من كل 100 ألف سنوياً. ويحدث غالباً دون سبب معروف، وربما يرتبط باستعداد وراثي أو بعوامل بيئية محيطة. ويصيب هذا النوع من الشلل البالغين بين سن 20 و40 عاماً، ونادراً ما يصيب الأطفال تحت سن 15 عاماً، كما يصيب الرجال والنساء بنسب متساوية، وغالباً ما يظهر في جهة واحدة من الوجه، ونادراً ما يصيب الجهتين بنسبة تقل عن 10%، وأكثر الأسباب شيوعاً هو حدوث التهاب تحسّسي داخل القناة السمعية، وغالباً دون سبب محدد في نحو 75% من الحالات.

والشلل ينتج غالباً عن التهاب تحسّسي، لذلك يعد الكورتيزون العلاج الأهم، وينصح بإعطائه خلال الساعات الأولى من ظهور الأعراض، إذ إن البدء المبكر بالعلاج يقلل من مدة وشدة الشلل ويحد من المضاعفات، ويُعطى عادة على شكل حقن وريدية لمدة خمسة أيام، أو على هيئة أقراص لمدة 15 يوماً، مع ضرورة ارتداء نظارات شمسية كبيرة لحماية العين من الهواء والغبار والضوء المباشر، وتقليل تجمع اللعاب خلف الجهة المصابة.

حرّك عضلات وجهك

الدكتور كلكتاوي، أشار إلى أن شلل العصب السابع قد يتكرر في حوالى 10% من الحالات، سواء في الجهة نفسها أو الجهة المقابلة أو في الجهتين معاً، مع عدم وجود سبب محدد في أغلب الحالات، لذلك لا توجد طرق وقاية مؤكدة، إلا من خلال اتباع نمط حياة صحي، وممارسة الرياضة، وتناول غذاء متوازن، والسيطرة على الأمراض المزمنة وتجنّب التعرّض لتيارات الهواء الباردة المباشرة على الوجه والأذن، قد يساعد في تقليل احتمالية تكرار الإصابة.

ويضيف كلكتاوي، أن معظم المرضى لا يحتاجون إلى تدليك أو علاج طبيعي مكثف في البداية، بل يُنصح فقط بتحريك عضلات الوجه عدة مرات يومياً، مثل رفع الحاجب وإغلاق العين وفتح وإغلاق الفم، ويمكن ربط ذلك بأوقات الصلوات لتسهيل الالتزام، ونظراً لأن نحو 90% من الحالات تتحسّن بشكل كامل خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، فإن العلاج الطبيعي المكثف يمكن تأجيله لعدة أسابيع، ولا يُلجأ إليه إلا إذا تأخر التحسن أو كان غير كامل.

لا تحبسوه في الظلام

حذّر الدكتور كلكتاوي، من الممارسات الخاطئة والخرافات المرتبطة بمرض الوجه، مثل الكي، أو الحجامة، أو حبس المريض في غرفة مظلمة دون تهوية أو تكييف، أو استخدام الزيوت والدعك الشديد للوجه، إذ قد تؤدي هذه الممارسات إلى مضاعفات خطيرة وتشوهات دائمة، وتعيق عودة فروع العصب السابع ووظائف عضلات الوجه بشكل متناسق، ما قد يسبّب مشكلات في الدمع واللعاب خصوصاً أثناء تناول الطعام.

السبب.. كسر الجمجمة!

أخصائية الطب الطبيعي والتأهيل الطبي الدكتورة إلهام الأروش، ترى أن شلل العصب السابع يظهر غالباً لدى الأشخاص بين سن 15 و45 عاماً، وأن نحو 70% من الحالات تحدث دون سبب واضح، مع احتمال تكرار الإصابة بنسبة قد تصل إلى 10%. وتشير إلى أن بعض الحالات تنتج عن إصابات مباشرة مثل كسور الجمجمة أو المضاعفات الناتجة عن جراحات الغدة اللعابية أو الأذن، وتمثل هذه الفئة ما بين 10% و23% من إجمالي الحالات. كما تسهم العدوى الفايروسية -وعلى رأسها فايروس الهربس- بنسبة تراوح بين 4.5% و7%، في حين قد تنجم بعض الإصابات عن التهابات بكتيرية مثل التهاب الأذن الوسطى. وتُعد الأورام أحد الأسباب المحتملة أيضاً، إذ تشكّل ما بين 2.2% و5% من الحالات، إضافة إلى ارتباط الشلل أحياناً بأمراض عصبية مثل التصلب المتعدد أو الشلل الرعاش، أو ظهوره لأسباب خلقية منذ الولادة.

الإبر الصينية.. هل تفيد؟

في ما يتعلق بالعلاج الطبيعي، توضح الأروش، أنه يبدأ عادة بعد استقرار الحالة خلال شهر، بينما توصي بعض الدراسات بالبدء بعد ثلاثة أشهر، نظراً لأن معظم الحالات تتعافى تلقائياً، وأن التدخل المبكر قد يتداخل مع التعافي الطبيعي للعصب. ويشمل العلاج الطبيعي التدليك لتنشيط الدورة الدموية وتقليل التوتر العضلي ومنع قصر العضلات وتحفيز تعافي العصب، إضافة إلى تمارين أمام المرآة للحفاظ على التماثل الوجهي، واستخدام الليزر لتحفيز الدورة الدموية وتقليل الالتهاب، والتنبيه الكهربائي لتحفيز العضلات.

أما العلاجات البديلة مثل الإبر الصينية والزيوت الطبيعية والعلاج بالأكسجين، فتشير الدكتورة إلهام، إلى أنه لا توجد دراسات كافية تؤكد فائدتها أو توصي باستخدامها. وتختتم بذكر المضاعفات المحتملة لشلل العصب السابع، التي تشمل التهاب القرنية وجفافها وتقرحها، والانقباض اللاإرادي لعضلات الجهة المصابة، والحركات التلازمية اللاإرادية، والدموع المصاحبة لتناول الطعام المعروفة بـ«دموع التماسيح»، إضافة إلى عدم التماثل المزمن بين جانبي الوجه، ويمكن علاج بعض هذه المضاعفات باستخدام حقن البوتوكس.