(١)
في كتابه النقدي الأول: (الكتابة خارج الأقواس) الصادر في ثمانينيات القرن الماضي تبدو فكرة «الحداثة في اللغة»، و«الحداثة في التعبير» في منهجيتهما النظرية العلمية وتموضعهما في سياق الضرورة الأدبية التاريخية والموضوعية، هي البادئة الأولى الحقيقية والمركزية التي مهدت للحراك الثقافي والإبداعي الجديد في بلدنا، بما جلبته من عواصف ومعارك واحتدامات ضدية اجتماعية ودينية نال من مرارتها السريحي ذاته واستعذب ما جاء بعدها من مغامرات فنية واقتحامات جريئة في تثوير العلاقات الأدبية الباردة والباهتة وتحطيم المعنى الساكن للوعي الأدبي آنذاك والخروج من أقواسه.
في كتابه المهم هذا، وفي طرحه الحيوي ومحاضراته تأسّس فكر السريحي النقدي معالم ورؤى، مهموماً بوعيٍ نقدي مغاير وخارج عن السياق المألوف وهو وإنْ تزامن مع صدور كتاب الغذامي (الخطيئة والتكفير) إلّا أنه اتّسم بوضوح علمي ومنهجي وببصيرة إبداعية شديدة القلق والإخلاص، كانت تروم بشكل حثيث إلى توطين معنى جديد للحداثة في الحركة الإبداعية الجديدة التي كانت ترهص في النسيج الثقافي وتحاول الانعتاق من ربقة السائد والساكن.
انحاز للوعي الفردي المتفرد والخارج عن الوعي الجماعي في جدلية اتصال-منفصل، لم يقطع خلالها الحبل السري مع الموروث اللغوي أو الثقافي إلا أنه دعا إلى تجاوز هذا الوعي الجمعي الخارجي بما يحقق تفرداً في التعبير عن الرؤية وأدرك بشكل خلاق أن «الإبداع ليس رؤية فحسب، لكنه رؤية فردية تستهدف التأكيد على حرية الإنسان إزاء العالم».
وهو بصدد تعليل إشكالية الغموض في القصيدة حدد المعالم الأولى التي تسهم في توطين معنى حقيقياً للحداثة في سياقنا الثقافي والمعرفي، نادى بضرورة الفصل بين الرؤية الفردية والرؤية الجماعية بتحريرنا من الأحكام المعيارية الصارمة في اللغة ونمط التعبير، أي التحرير بين الرؤية النفعية التي يهمها تكريس النمطية والرؤية المتمردة التي تروم «تحرر الروح من إسار الضرورة وانطلاقها وراء حدود الإمكان وتشوّفها نحو المثالي والمطلق والجوهر الفني».
لقد أدرك السريحي مبكراً في مقالاته ومحاضراته الأولى هنا بشكل منهجي واضح للخروج من مأزق الغموض الشعري الحداثي بأهمية؛
• تجديد الموقف من اللغة، والوعي بأن اللغة تتجاوز سياقها أن تكون وصفاً ومعطىً خارجياً إلى أن تكون سكناً جديداً للوجود كما قال هيدجر، كاللغة التي كتب بها شاعرنا محمد الثبيتي:
(من الشيب حتى هديل الأباريق
تنسكب اللغة الحجريّة
بيضاء كالقار
نافرةً كعروق الزجاجة)
•• وبأهمية وعي البعد المعرفي الذي تنطوي عليه النصوص الشعرية الجديدة واتساع استيعاب الشاعر الجديد المعاصر للثقافات الإنسانية والمنجز الشعري الكوني والإنجازات الحضارية الحديثة، وهو ما نلاحظه في كثير من نصوص أدونيس وجلّ قصائد الشاعر محمد عفيفي مطر حيث البعد المعرفي ووعي الموروث الحضاري القديم كثيراً ما يتدخل في تشكيل النص الشعري ويغرقه في الغموض والتكثيف.
وتصبح القصيدة كوناً مغلقاً محتاجاً لقارئ معرفي موازٍ كي يدرك دلالات وإشارات النص اللغوية والجمالية.
••• ثمة عامل مهم يسعفنا بشكلٍ جوهري في قراءة نصٍ حداثي جديد هو حضور الوعي النقدي العلمي والإبداعي، الذي تصبح له الفعالية كما يقول سعيد السريحي: «حين يتم تطوير مناهجنا النقدية والوقوف على معالم الفلسفة اللغوية الحديثة» الأمر الذي يبعدنا عن الاحتكام إلى الفلسفات التقليدية التي لا ترى في اللغة سوى تعبير أو أداة وصف.
فالقصيدة الجديدة لم تُكتب لكي تُسمع مُلقاة فقط بل مكتوبة لكي تُقرأ لما تنطوي عليه من بنية تركيبية مكانية ومعرفية وإشارية.
(٢)
بعد أن مررنا على فكر السريحي النقدي أجد من اللازم أن أطل على فكره السردي وهي إطلالة جديرة لأن نتبين فيها شيئاً من المطابقة الجمالية بين الفكرين النقد-إبداعي، أي كيف اتسقت الرؤيتان في إنتاج نسق لغوي حداثي متفرد.
اختار السريحي عنوان سيرته غير الذاتية عنواناً لافتاً كعنوان كتابه النقدي: (الحياة خارج الأقواس)، فمن الكتابة إلى الحياة يؤكد لنا الكاتب هذا التطابق الذات-موضوعي بين الفعلين فكلاهما يؤولان إلى بعضهما في تشوّفهما للحرية والخروج عن نسق القول وحصار الفعل، بين القول والفعل: (العيش) يبتكر السريحي موقعه المتجدد في حركة الحداثة في حياته وبعد رحيله.
في سيرته الحميمة واللاذاتية كما سماها: (سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد) يكتبها بلغة متخلقة من روح ودم، يكوّن لغته وينسج حكاياته وأساطيره المبتكرة ويودعها في قناني اللغة المعتقة.
من تخيلات الطفولة والشيخوخة ومن تدفقات الأخيلة وغرائبها الطريفة يصنع الكاتب سيرته في الموت، يكتب سيرته الغائبة كأنه يكتب الحاضر أو كأنه يكتب عن شخصٍ آخر شاهد هو على موته.
في هذه السردية المتفردة حقيقةً يستدعي القادم ولا يستعيده كأنه يعيش الموت حياً، بمعنى أنه يتخيل العيش في العدم قبل أن تحين لحظته.
يتمنى موتاً جميلاً: «ماذا لو تغمض عينيك للنوم ثم لا تفتحتهما أبداً»..
تسري جدلية المعنيين في النسق السردي برمته، معنى الوجود ومعنى الموت في حالة من الانسجام كأنهما وجهان لمعنى واحد، يصبح استباق لحظة الموت وتخييل وقائعه وطرائفه كأنه تخييل لوجود آخر لما بعد الوجود.
وتمضي السردية منسابةً في أحاديثها وحواراتها باللهجة الحجازية اللماحة، وعلاقاتها بين الطفولة والشيخوخة في حالة انشداد إلى رؤية ميتافيزيقية ترى في الواقع المعيش واقعاً آيلاً نحو الغياب أو هو الغياب حياً.
يكتب سعيد السريحي سردية موته كما يكتب قصيدة عذبة (وكأنه تنبأ بموته قبل موته)، يكتب ويقول:
«جسد العمر يتمدد جنبي فوق السرير، أرى البدايات والنهايات، مثل أحجار النرد تتناثر السنوات حولي، أنا حقائقي المتوهمة وأوهامي الحقيقية… أجتمع كلي ككرة معلقة في السقف وأهبط رويداً رويداً حتى أجثم على صدري».
قلق الانمحاء والغياب الوجودي يرقى لأن يكون امتداداً لقلق الانوجاد ذاته، لكنه مفعم بالغياب المرجأ. أي أصبح المرجأ في المعنى وفي الممكن والتخييل حاضراً ومعاشاً.
في هذه السردية الماتعة نحن إزاء مفهوم هيدجري يعيد التوكيد على أن العدم في جوف الوجود والوجود ليس إلا سياقاً مصيرياً نحو العدم وما الإنسان غير كائنٍ مائت.
(٣)
كما عرفنا لم يكن سعيد ناقداً ومفكراً بل كان سارداً مبدعاً وقارئاً جيداً لتاريخ مدينته جدة التي أحبها وانتمى إليها أشد ما يكون الانتماء فكتب جزءاً من تاريخها لحظة التكوين أو التأسيس في روايته القصيرة البديعة (جدة ٩١٥).
رواية تاريخيّة سمفونية كما لم يكتبها أحد غيره تجلت فيها قدرة سعيد السريحي الباهرة في السردية التاريخية-الواقعية، تجلى فيها المتخيّل منقوعاً في وعي المكان ووعي الزمن معاً.
المكان الذي يتأبى على فعل الطغاة ولا يتأبى على فعل الانتقام منهم.
كانت نهاية الكردي حسين نهاية ملحمية سطّر فيها أهل جدة الشجعان قدرة هائلة على معنى الصمود أمام الزمن الغادر وكان لهم شاهداً وشهيداً!
رواية (جدة ٩١٥) سردية عبقرية مكتملة الأركان في فنيتها وتركيبها ورؤاها، في سياقها وفي اتصالها بمعنى الحداثة والأفق الحداثي الناصع المتمرد الذي لا يقطع مع التاريخ ولا الزمن ولا الإنسان.
في فصلها الأخير تبلغ هذه الرواية- الملحمة القصيرة المكثفة ذروتها الفنية والرؤيوية، حين ينتقم أهالي جدة من رمز الطاغية المملوكي ممثلاً في حسين الكردي الوالي المملوكي الدخيل الذي نكل بهم فما كان مصيره غير الإعدام غرقاً وجعله وليمة لأعشاب البحر الأحمر وحوته، معلنين بذلك نهاية حقبة سوداء وسنواتٍ عجاف علكها الأهالي مرة بأسنانهم قبل أن تعلك أسماك البحر وقروشه جسد الطاغية الغريب.
كتبها سعيد قبل رحيله بقليلٍ كأنه يسدي ديناً لمدينته التي أحبها في كل أحوالها وأزمانها من أجل حريتها وانطلاقها نحو بداياتها النهضوية.
وها هي جدّة تنهض من جديد ألقاً متجدداً في معنى التاريخ وعبقرية المكان.





