يقع أحد أكثر المواقع العسكرية غموضًا في العالم في قلب جبال زاغروس جنوب العاصمة الإيرانية طهران، وعلى مقربة من منشأة نطنز النووية، ، وهو الموقع المعروف إعلاميًا باسم «جبل الفأس» (Pickaxe Mountain) أو «كوه كلنج غاز لا»، الذي أصبح خلال الأشهر الأخيرة محورًا للتوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدميره، وسط مخاوف من استخدامه لإحياء البرنامج النووي الإيراني.
اقرأ أيضا: جمهور الأردن يستقبل أدهم مخادمة باحتفالية مميزة عقب الأداء الاستثنائي في المونديال
جبل الفأس
يقع على بعد نحو 1.5 كيلومتر فقط جنوب منشأة نطنز النووية، وهي أكبر منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران.
وبحسب صور الأقمار الصناعية وتحليلات مراكز الأبحاث الغربية، بدأت أعمال الحفر داخل الجبل منذ عام 2020، إلا أن وتيرتها تسارعت بصورة كبيرة منذ عام 2021، فيما أظهرت الصور استمرار أعمال التوسعة حتى بعد الضربات التي استهدفت مواقع نووية إيرانية خلال عامي 2025 و2026.
لكن المفاجأة الحقيقية لا تكمن في الجبل نفسه، بل فيما يخفيه داخله. فبحسب صور الأقمار الصناعية وتحليلات الخبراء، يتحول «جبل الفأس» تدريجيًا إلى مدينة محصنة تحت الأرض، تضم شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت المصممة لمواصلة العمل حتى في أصعب الظروف العسكرية.
مدينة كاملة داخل الجبل!!!
غم أن السلطات الإيرانية لم تكشف رسميًا عن طبيعة المنشآت الموجودة داخل «جبل الفأس»، فإن صور الأقمار الصناعية، إلى جانب تحليلات خبراء الأسلحة والبرنامج النووي الإيراني، تشير إلى أن الموقع لا يقتصر على نفق أو مخبأ واحد، بل يمثل مجمعًا هندسيًا ضخمًا تحت الأرض، صُمم ليعمل كمنشأة متكاملة قادرة على مواصلة العمل حتى في حال تعرضها لهجمات جوية.
وتظهر الصور وجود أربعة مداخل رئيسية تؤدي إلى شبكة من الأنفاق المحفورة داخل الكتلة الصخرية، إضافة إلى طرق ممهدة للمركبات الثقيلة، ومناطق واسعة لتجميع نواتج الحفر، وهو ما اعتبره محللون دليلًا على استمرار أعمال التوسعة على مدار السنوات الماضية.
ويُعتقد أن هذه الأنفاق تتفرع إلى قاعات كبيرة وغرف تشغيل ومخازن ومرافق فنية، بما يسمح بنقل وتركيب المعدات النووية الحساسة، وعلى رأسها أجهزة الطرد المركزي، بعيدًا عن الاستهداف المباشر. كما يرجح خبراء أن تصميم المجمع يتيح فصل الأقسام الداخلية عن بعضها البعض، بحيث لا يؤدي استهداف جزء من الموقع إلى تعطيل المنشأة بالكامل.
كما يحيط بالموقع سور أمني يمتد لنحو 1.2 كيلومتر، إلى جانب نقاط مراقبة وطرق داخلية، ما يعكس مستوى التأمين المرتفع للمجمع، الذي يقع داخل مساحة سطحية تُقدر بنحو 2.6 كيلومتر مربع، فيما تمتد المنشآت الرئيسية في أعماق الجبل.
ولا تزال الأعماق الحقيقية للموقع غير معلنة، إلا أن تقديرات خبراء ومؤسسات بحثية غربية تشير إلى أن المنشآت تقع على عمق يجعلها أكثر تحصينًا من منشأة «فوردو» النووية، وهو ما يجعل الوصول إليها أو تدميرها تحديًا عسكريًا بالغ الصعوبة.
وبسبب هذا التصميم المعقد، يصف محللون غربيون «جبل الفأس» بأنه أقرب إلى “مدينة صناعية تحت الأرض”، تضم بنية تحتية متكاملة من الأنفاق والغرف الفنية وأنظمة الدعم، وليس مجرد مخبأ محصن، وهو ما يفسر الاهتمام الاستخباراتي والعسكري الكبير الذي يحظى به الموقع خلال السنوات الأخيرة.
لماذا يثير «جبل الفأس» كل هذا القلق؟
لا تنبع أهمية «جبل الفأس» من موقعه الجغرافي فحسب، بل من مستوى التحصين غير المسبوق الذي يتمتع به، إذ تشير تقديرات خبراء إلى أنه أكثر عمقًا وتحصينًا من منشأة فوردو النووية، التي ظلت لسنوات تُصنف باعتبارها أكثر المنشآت النووية الإيرانية قدرة على مقاومة الهجمات.
ويرى محللون أن شبكة الأنفاق المحفورة داخل الجبل، والمحمية بطبقات صخرية كثيفة، تجعل استهدافها باستخدام القنابل الخارقة للتحصينات مهمة بالغة الصعوبة. كما يرتفع الجبل بنحو 650 مترًا فوق الغطاء الصخري الذي يحمي منشأة فوردو، وهو ما يوفر مستوى إضافيًا من الحماية الطبيعية، ويحد من فعالية الضربات الجوية التقليدية، ويجعل الموقع واحدًا من أكثر الأهداف العسكرية تحصينًا في الشرق الأوسط
ولكن يبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل هو: ماذا تخفي إيران داخل هذا المجمع الجبلي؟ وحتى الآن، لا توجد إجابة قاطعة، إذ لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) من إجراء عمليات تفتيش داخل الموقع، ما جعل طبيعته الحقيقية محل تكهنات وتحليلات استخباراتية متباينة.
وبحسب تقديرات أجهزة استخبارات غربية وإسرائيلية وتقارير صادرة عن مراكز أبحاث متخصصة، يُعتقد أن المجمع قد يكون مخصصًا لاحتضان عدد من الأنشطة النووية الحساسة، من بينها نقل وتشغيل أجهزة الطرد المركزي المتطورة، أو إنشاء منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم، أو تخزين كميات من اليورانيوم عالي التخصيب في منشآت شديدة التحصين، إضافة إلى احتمال استخدامه كمركز قيادة وإدارة للبرنامج النووي الإيراني.
ورغم تداول هذه التقديرات على نطاق واسع، فإنها لم تُؤكد رسميًا بسبب غياب عمليات التفتيش الدولية داخل الموقع.
لكن علاقته بمنشأة نطنز
تؤكد إيران علي أن «جبل الفأس» يدخل ضمن منشآتها الدفاعية المشروعة، وترفض الكشف عن تفاصيل الأنشطة الجارية داخله أو السماح بتفتيشه، معتبرة أن ذلك يندرج ضمن اعتبارات الأمن القومي، وهو ما يواصل تغذية الجدل الدولي بشأن طبيعة المنشأة ودورها المحتمل في البرنامج النووي الإيراني.
لا يمكن فهم أهمية «جبل الفأس» بمعزل عن منشأة نطنز، التي تُعد القلب النابض لبرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني وأكبر مراكز التخصيب في البلاد. فالقرب الجغرافي بين الموقعين يشير إلى ارتباط استراتيجي، إذ لا يفصل بينهما سوى نحو 1.5 كيلومتر.
ويرى خبراء أن إيران شرعت في تطوير المجمع الجبلي ليكون امتدادًا أكثر تحصينًا لمنشأة نطنز، أو بديلًا يمكن الاعتماد عليه في حال تعرض الأخيرة لهجمات أو أعمال تخريب. وجاء ذلك بعدما شهدت نطنز خلال السنوات الماضية سلسلة من الهجمات السيبرانية وعمليات التخريب والضربات العسكرية، ما دفع طهران إلى نقل جزء من بنيتها النووية إلى منشآت تقع في أعماق الجبال، يصعب استهدافها أو تعطيلها.
لماذا أصبح «جبل الفأس» هدفًا لترامب؟
تحول «جبل الفأس» خلال الفترة الأخيرة إلى أحد أبرز الملفات على أجندة واشنطن، بعدما أشارت تقارير استخباراتية إسرائيلية إلى أن إيران نقلت جزءًا من بنيتها النووية الحساسة، بما في ذلك أعداد كبيرة من أجهزة الطرد المركزي، إلى المجمع الجبلي عقب الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية.
وفي ضوء تلك التقديرات، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه الموقع، معلنًا أنه يمثل أحد الأهداف الرئيسية لأي تحرك عسكري يهدف إلى منع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية. كما توعد باستهداف «جبل الفأس»، معتبرًا أن تحصيناته الكبيرة قد تجعله الملاذ الأهم لاستمرار أنشطة التخصيب في حال تعرض المنشآت النووية الأخرى للقصف.
اقرأ أيضا: من الألف للياء.. ماذا حدث في اختبارات ناشئي الاتحاد السكندري لمكاري يونان
لماذا يصعب تدمير «جبل الفأس»؟
يرى خبراء عسكريون أن «جبل الفأس» يُعد من أكثر الأهداف العسكرية تحصينًا في العالم، إذ صُمم ليقاوم الهجمات الجوية ويضمن استمرار تشغيل المنشآت الموجودة في أعماقه حتى في حال تعرضه للقصف.
وتكمن صعوبة استهداف الموقع في عدة عوامل، أبرزها وقوعه على أعماق كبيرة داخل كتلة جبلية صخرية، واعتماده على شبكة معقدة من الأنفاق والقاعات الداخلية، فضلًا عن تعدد المداخل والمخارج، وهو ما يمنح القائمين عليه مرونة في الحركة ويصعّب تعطيل المجمع بالكامل بضربة واحدة. كما توفر الطبقات الصخرية الكثيفة غطاءً طبيعيًا يقلل من فعالية معظم الذخائر التقليدية، بما في ذلك العديد من القنابل الخارقة للتحصينات.
ولهذه الأسباب، يعتقد عدد من المحللين العسكريين أن أي هجوم جوي قد يتمكن من تدمير مداخل الأنفاق أو إلحاق أضرار ببعض المرافق السطحية، لكنه قد لا يكون كافيًا للقضاء على المنشأة بالكامل أو إنهاء قدرتها التشغيلية، ما يجعل «جبل الفأس» أحد أكثر المواقع العسكرية تعقيدًا في أي سيناريو عسكري محتمل.
كيف تحول جبل الفأس إلى بؤرة للتوتر النووي؟
لم يعد «جبل الفأس» مجرد موقع قيد الإنشاء داخل جبال إيران، بل تحول إلى أحد أبرز رموز المواجهة المتصاعدة بين طهران والغرب بشأن البرنامج النووي الإيراني. فبينما تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى المجمع باعتباره منشأة استراتيجية قد تتيح لإيران حماية أنشطتها النووية وإعادة تطوير قدرات التخصيب بعيدًا عن أي استهداف عسكري أو رقابة دولية، تؤكد طهران أن منشآتها النووية مخصصة للأغراض السلمية، وأن بناء المواقع المحصنة يأتي في إطار حماية بنيتها التحتية من الهجمات.
ويزداد الجدل حول الموقع مع استمرار أعمال التوسعة وغياب عمليات التفتيش الدولية داخله، الأمر الذي يعزز المخاوف الغربية بشأن طبيعة الأنشطة التي قد تُجرى في أعماقه. وفي المقابل، تتمسك إيران برفضها الكشف عن تفاصيل المنشأة، معتبرةً أنها تدخل ضمن متطلبات أمنها القومي.
وفي ظل هذه المعطيات، أصبح «جبل الفأس» أكثر من مجرد موقع نووي محتمل؛ إذ يمثل اليوم إحدى أهم نقاط الاحتكاك في الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وقد يكون له دور محوري في رسم ملامح المواجهة المقبلة بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني
ويبقى جبل الفأس أحد أكثر المواقع النووية غموضًا في إيران، في ظل تضارب الروايات حول طبيعته، واستمرار الجدل بشأن دوره في مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
اقرأ أيضا: مثال للأمانة.. سائق ميكروباص يعيد هاتًفا مفقودًا إلى صاحبه في الفيوم