بدأت تداعيات التصعيد الأخير في المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تتجاوز حدود ساحة المعركة، حيث تفاعلت أسواق الطاقة العالمية بقوة مع تزايد المخاوف بشأن أمن إمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط الأمر الذي ينذر بحدوث تغيرات في أسواق الوقود المحلية بمصر.
اقرأ أيضا: تطوير المحميات بالحلول القائمة على الطبيعة والعمل على وضع نظام بيئي جديد داخلها
وقفزت أسعار النفط بنحو 4% في وقت مبكر من يوم الأربعاء بعد أن شنت الولايات المتحدة ضربات ضد أهداف إيرانية لليلة الحادية عشرة على التوالي، مما أدى إلى تفاقم واحدة من أكثر المواجهات اضطراباً في المنطقة منذ سنوات.
وقد تعزز هذا الصعود في السوق بعد تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أقر فيها بأن مضيق هرمز لا يزال يشكل نقطة خلاف رئيسية بين واشنطن وطهران، مما عزز المخاوف من أن أي اضطراب في أحد أهم ممرات الشحن في العالم قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى.
ووفقاً لشبكة “سي إن بي سي” ، ارتفع خام برنت القياسي العالمي بنحو 4% ليصل إلى 94.76 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بنسبة 3.9% ليصل إلى 87.61 دولاراً للبرميل، مما يعكس تزايد القلق بشأن إمدادات النفط العالمية.
توترات الشرق تحرك أسواق الطاقة
أدت المواجهات العسكرية المتجددة بين واشنطن وطهران إلى عودة مضيق هرمز ليكون محوراً رئيسياً لأمن الطاقة العالمي.
يمر ما يقرب من خُمس إمدادات النفط المنقولة بحراً في العالم عبر هذا الممر المائي الضيق، مما يجعل أي تهديد للملاحة سبباً مباشراً لارتفاع أسعار الخام. ورغم أن صادرات النفط لم تشهد اضطرابات كبيرة حتى الآن، إلا أن المتداولين بدأوا يأخذون المخاطر الجيوسياسية في الحسبان بشكل متزايد مع استمرار تبادل الضربات العسكرية بين البلدين.
ويفرض الارتفاع المستمر في أسعار الخام تحديات اقتصادية جديدة على الدول المستوردة للطاقة، بما في ذلك مصر، حيث ترتبط أسعار الوقود ارتباطاً وثيقاً بأسواق النفط العالمية.
مصر تترقب الزيادات
يرى خبير الطاقة الدكتور جمال القليوبي في تصريح لـ”مصر تايمز” أن الحكومة ستتجنب على الأرجح إجراء أي تغييرات فورية على أسعار الوقود المحلية، رغم الارتفاع الأخير في أسواق النفط العالمية.
ووفقاً للقليوبي، من المتوقع أن تنتظر الحكومة موعد الاجتماع القادم للجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية في مصر – المقرر عقده في سبتمبر المقبل- مع مواصلة الجهود الرامية لامتصاص أثر ارتفاع أسعار الخام العالمية.
ومع ذلك، حذّر القليوبي من أنه في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط بالتزامن مع استمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، فقد لا يتبقى أمام اللجنة خيار سوى الموافقة على زيادة كبيرة في أسعار الوقود المحلية.
وقال القليوبي: إذا استمرت ظروف السوق الحالية، فقد تضطر لجنة تسعير الوقود إلى رفع الأسعار بنسبة تصل إلى 25%.
ويضع هذا التقييم مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في صلب رؤية مصر لقطاع الطاقة، مما يجعل التطورات الجيوسياسية لا تقل أهمية عن المؤشرات الاقتصادية في تحديد تكاليف الوقود المستقبلية.
أسعار الوقود الحالية في مصر
كان آخر تعديل لأسعار الوقود في مصر قد تم خلال اجتماع اللجنة في شهر مارس، حيث أُقرت زيادات في أسعار معظم المنتجات البترولية.
وتأتي أسعار البيع بالتجزئة الحالية على النحو التالي:
بنزين 95: 24.00 جنيهاً للتر
بنزين 92: 22.25 جنيهاً للتر
بنزين 80: 20.75 جنيهاً للتر
السولار (الديزل): 20.50 جنيهاً للتر
وتظل هذه الأسعار سارية المفعول لحين إجراء المراجعة الدورية القادمة للجنة.
اقرأ أيضا: مصر تضخ 2.5 مليار جنيه لاستكمال البنية التحتية بأبراج “داون تاون العلمين”
ضغوط جديدة على افتراضات الموازنة
يثير الارتفاع الأخير في أسعار الخام تساؤلات أيضاً حول الافتراضات المالية لمصر للسنة المالية الجديدة.
وبنت الحكومة موازنة الدولة لعام 2026-2027 على أساس متوسط سعر لخام برنت يبلغ 75 دولاراً للبرميل.
ونظراً لأن سعر خام برنت يتداول حالياً عند مستويات تقارب 95 دولاراً، فإن هذه الفجوة المتزايدة قد ترفع من عبء دعم الوقود على الدولة وتزيد الضغوط على المالية العامة في حال استمرار ارتفاع الأسعار لفترة طويلة.
وبالنسبة لصنّاع السياسات، لم يعد مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مجرد قضية تتعلق بالسياسة الخارجية فحسب، بل تحول إلى متغير اقتصادي رئيسي له تداعيات مباشرة على معدلات التضخم وتكاليف الطاقة والاستقرار المالي. نقطة التحول القادمة
قد لا يعتمد قرار مصر النهائي بشأن تعديل أسعار الوقود المحلية على القرارات المتخذة في القاهرة بقدر اعتماده على التطورات الجارية في منطقة الخليج.
فإذا استمرت العمليات العسكرية وظلت التوترات الجيوسياسية تبقي أسعار النفط الخام مرتفعة طوال فصل الصيف، فقد يصبح اجتماع “لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية” المقرر في شهر سبتمبر أحد أكثر الأحداث الاقتصادية ترقباً في البلاد؛ إذ يبرز تحذير الدكتور جمال القليوبي – بشأن احتمال رفع أسعار الوقود بنسبة 25% – باعتباره السيناريو المرجح في ظل استمرار الصراع.