لم يعد مشروع رقمنة أرشيف الهيئة الوطنية للإعلام يقتصر على تحويل ملايين الشرائط القديمة إلى ملفات رقمية، بل يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تطورًا، يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكًا في حفظ التراث الإعلامي المصري وإعادة تقديمه بصورة غير مسبوقة.
اقرأ أيضا: السعودية تشارك في الاجتماع العاشر للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في روما – أخبار السعودية
في كبرى المؤسسات الإعلامية العالمية، لم تعد الرقمنة هي الهدف النهائي، وإنما الخطوة الأولى نحو بناء أرشيف ذكي يستطيع البحث، والترميم، والتصنيف، والترجمة، بل والمساعدة في إنتاج محتوى جديد اعتمادًا على المواد التاريخية.
ومع قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي برقمنة أرشيف الإذاعة والتلفزيون، يبرز سؤال مهم: هل يصبح أرشيف ماسبيرو في المستقبل واحدًا من الأرشيفات الذكية التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
من البحث اليدوي إلى البحث في ثوانٍ
أحد أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي يتمثل في تحويل ملايين الساعات المسجلة إلى قاعدة بيانات قابلة للبحث الفوري.
فبدلًا من مراجعة عشرات الشرائط للعثور على خطاب أو مقابلة، تستطيع تقنيات التعرف على الصوت والكلام استخراج النصوص تلقائيًا، ثم البحث داخلها بكلمة أو اسم أو تاريخ، ليظهر المقطع المطلوب خلال ثوانٍ، كما يختصر ذلك آلاف ساعات العمل التي كانت تستغرقها عمليات الأرشفة التقليدية.
ترميم الصورة والفيديو
يعد ترميم المواد القديمة من أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الأرشفة.
فبفضل الخوارزميات الحديثة، يمكن إزالة التشويش، وتحسين دقة الصورة، وإصلاح الخدوش، وتثبيت اللقطات المهتزة، وتحويل التسجيلات منخفضة الجودة إلى نسخ أكثر وضوحًا، مع الحفاظ على النسخة الأصلية.
واستفادت مؤسسات إعلامية عالمية من هذه التقنيات في إعادة عرض أفلام ووثائقيات يعود عمرها إلى عشرات السنين بجودة تقترب من التصوير الحديث.
إحياء الصوت من جديد
لا يقتصر التطوير على الصورة فقط، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي معالجة التسجيلات الصوتية القديمة، عبر إزالة الضوضاء، وتحسين نقاء الصوت، وتقليل تأثير التشويش الناتج عن تقادم الشرائط.
وتمثل هذه التقنية فرصة مهمة للحفاظ على تسجيلات نادرة، مثل خطابات الزعماء، وتلاوات كبار القراء، والحفلات الغنائية التاريخية التي تأثرت جودتها مع مرور الزمن.
ترجمة المحتوى للعالم
من التطبيقات الواعدة أيضًا، استخدام الذكاء الاصطناعي في ترجمة المواد الأرشيفية إلى لغات مختلفة، مع إنتاج نصوص مترجمة أو دبلجة رقمية، بما يسمح بوصول التراث الإعلامي المصري إلى جمهور عالمي.
ويمكن أن تستفيد من ذلك الوثائقيات التاريخية، والخطابات السياسية، والبرامج الثقافية، التي تمثل جزءًا من القوة الناعمة المصرية.
إنتاج وثائقيات جديدة
قد يصبح الأرشيف نفسه مصدرًا لإنتاج محتوى جديد، إذ تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي في جمع اللقطات المتعلقة بحدث معين، وترتيبها زمنيًا، واقتراح أفضل المقاطع، بما يختصر جزءًا كبيرًا من الوقت الذي يحتاجه صناع الأفلام الوثائقية.
اقرأ أيضا: الخارجية تتابع أنشطة مبادرة تنمية قناة السويس والبحر الأحمر الاقتصادية والبحرية
كما يمكن استخدامه في ربط الأحداث التاريخية ببعضها، وإعداد أرشيفات موضوعية حول شخصيات أو فترات زمنية أو قضايا بعينها.
أرشيف ذكي
من المتوقع أن يتحول الأرشيف بعد الرقمنة إلى نظام ذكي قادر على التعرف تلقائيًا على الأشخاص والوجوه والأماكن والشعارات والموسيقى داخل المواد المصورة، ثم تصنيفها وربطها بمواد أخرى ذات صلة.
فمثلًا، إذا بحث أحد الباحثين عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، يستطيع النظام مستقبلاً عرض جميع خطاباته، ومقابلاته، وزياراته، والأحداث المرتبطة به، دون الحاجة إلى البحث اليدوي.
تحديات لا تقل أهمية
ورغم الإمكانات الكبيرة، يؤكد متخصصون أن نجاح هذه المرحلة يتطلب إنشاء بنية رقمية قوية، وتدريب كوادر متخصصة، ووضع ضوابط دقيقة لحماية المحتوى الأصلي، وضمان عدم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تغيير الوقائع التاريخية أو تشويهها، موضحين أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة لحفظ التراث، لا لإعادة صياغته أو المساس بأصالته.
من ذاكرة محفوظة إلى ذاكرة حية
إذا كانت الرقمنة تنقذ أرشيف ماسبيرو من التلف، فإن الذكاء الاصطناعي قد يمنحه حياة جديدة، تجعل ملايين الساعات المصورة والمسموعة أكثر سهولة في الوصول، وأكثر قدرة على خدمة الباحثين والإعلاميين وصناع المحتوى، لتتحول ذاكرة مصر السمعية والبصرية من مجرد مواد محفوظة داخل المخازن إلى أرشيف حي يتفاعل مع الحاضر ويحفظ الماضي للأجيال المقبلة.
اقرأ أيضا: وزارة الدفاع: اعتراض وتدمير عدد من المسيّرات بالمنطقة الشرقية – أخبار السعودية