يبدو أن أرشيف الإذاعة والتلفزيون المصري، للوهلة الأولى، مجرد مكتبة ضخمة تضم برامج ومسلسلات وأغنيات قديمة، لكن الحقيقة أنه يمثل أحد أهم مستودعات الذاكرة الوطنية، بما يحتويه من وثائق رسمية، وبيانات حروب، وخطابات رؤساء، وتسجيلات لأحداث صنعت تاريخ الدولة المصرية.
اقرأ أيضا: معتمد جمال المدير الفني للزمالك بالموسم الجديد
ومع قرار الرئيس عبدالفتاح السيسي برقمنة أرشيف الهيئة الوطنية للإعلام، اتجهت الأنظار إلى البعد الأعمق للمشروع، باعتباره خطوة لحماية أحد أهم مكونات الأمن القومي المصري، عبر الحفاظ على الوثائق السمعية والبصرية للدولة من التلف أو الضياع، وتأمينها للأجيال المقبلة.
في هذا الصدد، قال الدكتور زكريا الدسوقي، أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس، إن أرشيف ماسبيرو لا يمثل مجرد تاريخ للإعلام المصري، وإنما يعد “أرشيف الدولة” بالصوت والصورة، لأنه يوثق لحظات مفصلية في تاريخ مصر السياسي والعسكري والاجتماعي والثقافي.
وأضاف أستاذ الإعلام في تصريحات خاصة لـ “مصر تايمز”، أن كثيرًا من الوثائق الموجودة داخل الأرشيف لا يمكن تعويضها إذا تعرضت للتلف، لأنها تتضمن التسجيلات الأصلية لخطابات الرؤساء، بيانات الحروب، الزيارات الرسمية، الاتفاقيات التاريخية، فضلًا عن التغطيات الإخبارية التي وثقت أهم الأحداث منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
وأوضح أن الحفاظ على هذا الأرشيف يدخل ضمن مفهوم الأمن القومي الثقافي والإعلامي، لأن الدول لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي أيضًا ذاكرتها الوطنية، باعتبارها جزءًا من هويتها وسيادتها.
وثائق دولة قبل أن تكون مواد إعلامية
وأشار الدسوقي إلى أن الأرشيف يضم النسخ الأصلية للبيانات الرسمية التي أذيعت خلال حرب أكتوبر، وخطابات الرؤساء في الأزمات الوطنية، والمناسبات التاريخية، وهي مواد يعتمد عليها الباحثون والمؤرخون باعتبارها مصادر أولية لا يمكن التشكيك في صحتها.
وأكد أن فقدان هذه التسجيلات يعني ضياع جزء من التوثيق الرسمي للدولة، وهو ما يجعل عملية الرقمنة ضرورة استراتيجية وليست مجرد مشروع تقني.
ذاكرة المجتمع المصري
ولفت إلى أن قيمة الأرشيف لا تتوقف عند الجانب السياسي، بل تمتد إلى توثيق التحولات الاجتماعية والثقافية، من خلال البرامج الجماهيرية، الدراما، الحفلات الفنية، والمواد الإذاعية التي شكلت وجدان المصريين على مدار عقود.
وأشار إلى أن الأرشيف يحفظ تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع المصري، وهو ما يجعله سجلًا حيًا للتغيرات التي شهدتها الدولة في مختلف المجالات.
حماية الرواية المصرية
وأكد أستاذ الإعلام أن امتلاك الدولة لأرشيفها الكامل يساعد في مواجهة محاولات تزوير التاريخ أو إعادة تفسير الأحداث بعيدًا عن الوثائق الأصلية.
وأوضح أن تسجيلات الحروب، والخطابات الرسمية، والتغطيات الإخبارية تمثل أدلة موثقة يمكن الرجوع إليها عند كتابة التاريخ أو الرد على أي روايات مغلوطة.
اقرأ أيضا: رسمياً.. حمد بن خليفة بن أحمد رئيسا للاتحاد القطري لكرة القدم
الرقمنة ضمان للاستمرار
وأكد الدسوقي أن الشرائط التقليدية معرضة للتلف بمرور الوقت، وهو ما يجعل رقمنتها خطوة ضرورية لضمان بقائها، مع إمكانية إتاحتها للباحثين والإعلاميين وصناع الوثائقيات دون المساس بالأصول.
وأضاف أن المشروع لا يهدف فقط إلى حفظ الماضي، بل إلى تحويله إلى قاعدة معرفية يمكن الاستفادة منها في التعليم والإعلام والبحث العلمي وصناعة المحتوى.
أرشيف يحمي هوية الدولة
واختتم أستاذ الإعلام تصريحاته، مؤكدًا على أن أرشيف ماسبيرو يمثل جزءًا أصيلًا من القوة الناعمة المصرية، وأن الحفاظ عليه لا يقل أهمية عن الحفاظ على الوثائق التاريخية أو المخطوطات النادرة، لأنه يوثق بالصوت والصورة مسيرة الدولة المصرية، ويحفظ ذاكرتها الوطنية للأجيال القادمة، ويعزز قدرتها على حماية روايتها التاريخية أمام العالم.
اقرأ أيضا: ظهرت الآن.. نتيجة الثانوية العامة جميع المحافظات بنسبة نجاح 75.1%