جمال عبد الناصر يكتب: «آه من النسوان» ومن 98 عاما بالتمام والكمال

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ثمة مسرحيات لا تنتهي حكايتها بانطفاء أنوار الخشبة، ولا يسقط ستارها الأخير على زمنها، وإنما تظل معلقة في ذاكرة المسرح، تنتظر من يعيد اكتشافها، ومن ينفض عن عنوانها غبار السنوات، ليتأمل ما كان يضحك الجمهور ذات يوم، وما كان يخفيه ذلك الضحك من ملامح المجتمع وروح العصر.

اقرأ أيضا: مكتبة مصر العامة تنظم ندوة عن أديب نوبل نجيب محفوظ.. 24 أغسطس

نعود 98 عامًا إلى الوراء، إلى عام كان فيه المسرح المصري يعيش واحدة من مراحل تشكله وازدهاره، وإلى اسم يكاد يكون مرادفًا لفن الكوميديا المسرحية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، وهو نجيب الريحاني، ومسرحيته ( آه من النسوان ) ، ذلك العنوان الذي يبدو للوهلة الأولى صيحة ساخرة يطلقها رجل أوقعته النساء في شباك المفارقات، لكنه، حين نقترب من عالم المسرحية، يتحول إلى مفتاح لقراءة شخصية كشكش بك، العمدة الريفي الذي يحمل معه غرور السلطة، وشهوة المغامرة، ووهم الجاذبية التي لا يطفئها العمر، قبل أن تعيده الحياة، عبر سلسلة من المواقف الكوميدية وسوء الفهم، إلى السؤال الأبسط والأعمق: أين تكون راحة الإنسان؟ وأين يجد المعنى الحقيقي للعيش؟

لقد كان الريحاني يعرف أن الكوميديا ليست نقيضًا للجدية، وأن الضحك قد يكون أكثر قدرة على كشف عيوب الإنسان من الخطب والمواعظ، ولذلك لم تكن شخصياته مجرد أدوات لإطلاق النكات، بل كانت مرايا اجتماعية تتحرك فوق الخشبة، تكشف تناقضات البشر، وتضع غرورهم في مواجهة الواقع، ثم تترك للجمهور مهمة الضحك والتأمل معًا.


وفي «آه من النسوان» تتجاور الكوميديا مع مفردات الحياة الاجتماعية، ويتحول الزواج من الفتاة الأجنبية إلى فضاء للمفارقة وسوء التفاهم، بينما يصبح عودة كشكش بك في النهاية إلى زوجته أم أحمد أشبه باستعادة لبيت فقده الرجل مؤقتًا وهو يطارد وهمًا آخر، وهنا تحديدًا تكمن قيمة المسرحية؛ فالضحك الذي تصنعه المواقف لا ينفصل تمامًا عن قراءة اجتماعية بسيطة لمفهوم الزواج والأسرة والغرور الذكوري والمغامرة العاطفية.

مسرحية آه من النسوان
مسرحية آه من النسوان

وقراءة المسرحية لا تكتمل من دون قراءة صاحبها، فـنجيب الريحاني في هذه التجربة لم يكن ممثلًا فحسب؛ كان حاضرًا في الكتابة والإخراج والبطولة، إلى جوار شريكه ورفيق رحلته بديع خيري، في ذلك النموذج الفريد من المسرحيين الذين لم يتعاملوا مع الخشبة بوصفها مكانًا للتمثيل فقط، وإنما باعتبارها عالمًا متكاملًا يبدأ من الفكرة والكلمة، ويمر بالممثل والمخرج، وينتهي عند عين المتفرج، ومن بين تفاصيل هذا العالم المسرحي تبرز مشاركة أسماء متعددة، من ماري منصور وعبد النبي محمد وعبد الفتاح القصري، إلى حسين إبراهيم ومحمد كمال المصري ومحمد مصطفى جلانطينو، إلى جانب جوق من الراقصات الأسبانيوليات والراقصة الروسية فالا أثميلا فبسكا، بما يكشف عن طبيعة المشهد المسرحي الذي كان الريحاني يتحرك داخله، وعن انفتاح عروض تلك المرحلة على عناصر فنية وثقافية متنوعة.
وحتى الفضاء البصري للعرض لم يكن بعيدًا عن هذه الروح؛ فقد قام الرسام الإسباني أنطونيو دي لاجيرا بالنقوش المسرحية، في تفصيلة تكشف أن العرض المسرحي في ذلك الزمن كان يُبنى باعتباره فرجة متكاملة، لا نصًا وممثلين فحسب.

هكذا نعود إلى آه من النسوان و بعد 98 عامًا، لا لكي نسأل فقط: ممَّ كان يضحك جمهور الريحاني؟ وإنما لكي نسأل أيضًا: ماذا بقي من ذلك الضحك؟ وماذا تقول لنا هذه المسرحية اليوم عن الإنسان الذي كان يضحك منها بالأمس؟
فالمسرح الحقيقي لا يعيش لأنه قديم، وإنما لأنه قادر على أن يجعلنا نرى حاضرنا في مرآة الماضي، وهنا تبدأ الحكاية…

حكاية نجم.. نجيب الريحاني: من «كشكش بك» إلى مدرسة الضحك

حكاية مسرحية منسية، ونجم لم يغب، وزمن كان نجيب الريحاني فيه يعرف كيف يجعل الخشبة تضحك، بينما يترك الإنسان يتأمل نفسه بعد أن ينتهي الضحك.

والنجم  نجيب الريحاني مولود في القاهرة عام 1889، وأحد الآباء المؤسسين للكوميديا المصرية، وصاحب مدرسة فنية لم يتوقف تأثيرها عند زمنه، بل امتد إلى أجيال متعاقبة من الممثلين، ونشأ في باب الشعرية، وتفتحت موهبته في مدرسة الفرير، حيث عُرف بإلقاء الشعر والتمثيل، قبل أن تدفعه ظروف الحياة إلى العمل موظفًا، ثم إلى مغادرته الوظيفة بحثًا عن الخشبة التي وجد فيها ذاته.

ومن البدايات المتعثرة، بدأت ملامح الفنان الذي سيغير شكل الكوميديا المصرية في الظهور، وبعد تجارب مبكرة مع المسرح، كان اللقاء مع عزيز عيد محطة مهمة في تكوين مشروعه، قبل أن يلمع اسمه بصورة استثنائية من خلال شخصية كشكش بك؛ العمدة الريفي الذي يبدو في ظاهره شخصية هزلية، بينما كان الريحاني يستخدمه لالتقاط تناقضات المجتمع والسخرية من سلوكياته وعيوبه، ومع كشكش بك، لم يعد الضحك مجرد غاية، وإنما أصبح وسيلة لرؤية الواقع من زاوية أكثر ذكاءً وسخرية.

وفي أواخر العشرينيات، ارتبط الريحاني بالكاتب بديع خيري في واحدة من أهم الشراكات في تاريخ المسرح المصري، وتبلورت تجربتهما في فرقة الريحاني، التي جمعت بين الكتابة والتمثيل والإخراج، واستعانت بأسماء أصبحت لاحقًا علامات كبرى في تاريخ الفن، وحققت عروضها انتشارًا واسعًا. وفي مواجهة مدارس الكوميديا الأخرى، وعلى رأسها تجربة علي الكسار، كان الريحاني يطور تدريجيًا مفهومًا مختلفًا للكوميديا؛ كوميديا تقوم على الشخصية والموقف والمفارقة، لكنها لا تخلو من مضمون اجتماعي.

اقرأ أيضا: فيلم خوفو يحصل على الفهد الفضى فى مهرجان لوكارنو


ولعل أهمية الريحاني الحقيقية تتجلى في أنه لم يرضَ طويلًا بأن يظل أسير الصورة التي أحبها الجمهور، ففي ريا وسكينة، التي قدمها عام 1922 بعد أشهر من تنفيذ حكم الإعدام في السفاحتين، خاض تجربة مختلفة اقترب فيها من التراجيديا، وشارك في كتابة العمل وأخرجه، مقدمًا دورًا بعيدًا عن صورته الكوميدية المألوفة، وقد حققت المسرحية نجاحًا جماهيريًا لافتًا، لتثبت أن الفنان الذي أضحك الناس قادر أيضًا على أن يضعهم في مواجهة الخوف والمأساة.
ثم جاء التحول الأهم في مسيرته مع اتجاهه إلى الكوميديا الاجتماعية الأكثر نضجًا، حيث بدأ يبتعد تدريجيًا عن الاعتماد على الهزل وحده، ويمنح الشخصية الإنسانية مساحة أعمق، وفي هذا السياق تبدو أعماله اللاحقة امتدادًا طبيعيًا لذلك التطور، حتى أصبح الريحاني واحدًا من القلائل الذين استطاعوا أن يجعلوا الكوميديا فنًا للنقد الاجتماعي، لا مجرد صناعة للضحك.


ومن هنا يمكن فهم قيمة «آه من النسوان» في مشواره؛ فـكشكش بك فيها ليس مجرد رجل متصابٍ يقع في سلسلة من المواقف المضحكة، وإنما شخصية ريحانية مكتملة الملامح: غرور، وضعف، ووهم، ومفارقة، ثم عودة في النهاية إلى دفء البيت وراحة الحياة القديمة.. إنه الإنسان الذي يضحك الجمهور منه، لكنه في الوقت نفسه يكشف له شيئًا من نفسه.
وعلى امتداد مسيرته المسرحية، ترك الريحاني عشرات الأعمال، وأسهم في صناعة جيل كامل من نجوم الكوميديا، قبل أن ينتقل حضوره بقوة إلى السينما، في أفلام أصبحت من كلاسيكيات الشاشة المصرية، وصولًا إلى غزل البنات عام 1949، آخر أفلامه، الذي ظل شاهدًا على موهبته الاستثنائية حتى أيامه الأخيرة.
لقد كان الريحاني، في زمنه، أحد قطبي المسرح المصري؛ فإذا كان يوسف وهبي قد ارتبط بالمسرح الدرامي، فإن الريحاني أسس للمسرح الكوميدي مدرسة موازية في التأثير والحضور. غير أن المقارنة بينهما لا تنتهي عند اختلاف النوع، لأن الريحاني نفسه أثبت أن الكوميديا يمكن أن تحمل قدرًا من العمق لا يقل عن الدراما، وأن الضحكة قد تكون أحيانًا أكثر نفاذًا من الموعظة.


ولهذا بقي نجيب الريحاني بعد رحيله أكثر من مجرد «ملك للكوميديا»؛ بقي صاحب رؤية، وصانع شخصية، ومؤسس لغة مسرحية، وفنانًا أدرك أن أعظم ما يمكن أن يفعله الممثل ليس أن يجعل الناس يضحكون فقط، وإنما أن يجعلهم يضحكون من عيوب الإنسان، ثم يكتشفون أنهم رأوا أنفسهم على الخشبة.

ومن هذه المدرسة خرجت ” آه من النسوان ” ..
مسرحية من زمن كشكش بك، لكنها تكشف لنا اليوم أن الريحاني لم يكن يضحك على الزمن، بل كان يقرأه.

تفاصيل العرض المسرحي آه من النسوان
تفاصيل العرض المسرحي آه من النسوان

اقرأ أيضا: أحمد سعد لـ اليوم السابع: الألبوم الإلكترو تجربة موسيقية مختلفة بعد “كوتى”

‫0 تعليق

اترك تعليقاً