قد يبدو من عنوان المقال أنني سأتحدث عن الدين والفقه، وبالطبع أنا أنأى بنفسي عن الانضمام إلى فيلق المفتين الحاليين والمشرعين وأصحاب الرؤى والرؤية. الواقع أن ما شدني إلى إدراج ما سأقوله تحت عنوان «قبل أن تحاسبوا» هو تذكري لأيام الدراسة والمدرسة الابتدائية بصفة خاصة، وحصة التاريخ، وبتحديد أكثر الحقبة التاريخية للدولة العثمانية، والتي كانت إمبراطورية كبيرة تتحكم في مصير معظم دول العالم، ومن بينهم بلادنا الحبيبة.
اقرأ أيضا: سعر اليورو في البنك الأهلي وبنك مصر اليوم الأحد
كان هناك واحد من الدروس طلب منا المعلم حينذاك حفظه جيدًا، وهي عوامل سقوط الدولة العثمانية، وكان من بين هذه الأسباب ما عُرف باسم نظام الولاة. وهذا النظام، لمن لم يقرأ التاريخ، فهو فرمان من الأستانة، مقر الدولة العثمانية حينذاك، بتعيين الولاة في الممالك التي يضعون أيديهم عليها، ولأن السلطان كان قلقًا على ولاياته المنتشرة في كل بقاع الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها، وتخوفه الزائد من استئثار أي من الولاة بالدولة التي يُولى عليها إذا ما مكث فيها كثيرًا، أو مناهضته لحاكم الدولة الخاضعة تحت إدارتها هذا الوالي، فقد سن الإمبراطور العثماني قانونًا بأن تكون مدة الوالي عامًا واحدًا، يُعزل بعدها ويأتي غيره.
هذا القانون الجديد أتى بعكس ما توقعه الإمبراطور والحاكم في نفس ذات الوقت؛ لأن الوالي فطن إلى حقيقة أنه لن يستمر سوى عام، ولذا فعليه في هذا العام أن يضخم من حجم ثروته ويزيد من ممتلكاته، وعليه فقد اتبع الوالي نظامًا يمكنه من تضخيم مقدار أمواله، وهداه تفكيره إلى نظام فرض الجباية والجزية والضرائب وكل المفردات التي يستنزف بها وعن طريقها الشعب، بالطبع؛ لأنه هو الآلة الضعيفة التي لن تعارض حكمه ومطالبه.
وبالفعل جاء مئات الولاة، إن لم يكونوا الآلاف، وكلهم يسيرون على نفس المنوال، بل إن بعضًا منهم ابتكر أساليب حديثة لحلب الشعب، إن صح التعبير. نظام الولاة أدى إلى ضعف الدولة العثمانية؛ لأن المواطن كشر عن أنيابه وأعلن عصيانه وتمرده، بالطبع من زيادة الفقر والمرض والجهل زادت حالات السرقة والقتل، وذهب الأمن والأمان، واشتعلت البلاد، وصارت الدولة العثمانية أضعف من بيت العنكبوت، وتحللت وزالت، لتأتي من بعدها إمبراطوريات جديدة لم تغفل سببًا من أسباب السقوط المدوي لإمبراطورية حكمت معظم دول العالم لقرون طويلة.
والآن أجد أن نظام الولاة يفرض نفسه بصورة أو بأخرى، وينذر بعواقب لا تُحمد ونتائج مدوية. الغلاء وحش كاسر يهدم معه كل معاني الأمان؛ لأن الإنسان من أولى اهتماماته ورغباته الحصول على الطعام، وما يؤكد ذلك أن أهل الكهف بعد بعثهم لم يطلبوا سوى الطعام في أول تيقظهم، وذلك يؤكد مقولة «عض قلبي ولا تعض رغيفي».
الغلاء لا يأتي وحيدًا، بل يصاحبه الفقر والجهل، ويسير معهم خفافيش الظلام؛ كي يشعلوا نار الحقد والكراهية، ويأججوا الفتنة وتوابعها.
اقرأ أيضا: مفاجأة في الطقس غدًا.. انخفاض درجات الحرارة وأمطار خفيفة على هذه المناطق
نظام الولاة العثماني لم ينته، ويصر على الاستمرار، والخوف كل الخوف من السقوط الناجم عنه وبه!!
اقرأ أيضا: الكذب جزء من أيديولوجية الإخوان.. وخدعوا التيارات السياسية