يكفي أن تسمع كلمة «ليالينا»، حتى تستدعي الذاكرة أغنية وردة التي تحمل الاسم نفسه، وتجد نفسك تردد «ليالينا ليالينا.. وتاهت بينا تاهت ليالينا»، غير أن هذا الاستدعاء لا يتجاوز كونه عتبة أولى للعنوان؛ فالعرض يستند دراماتورجيا إلى نص «الناس اللي تحت» لنعمان عاشور، ويعيد محمد الحضري تشكيله وفق رؤيته الخاصة، فاتحا أمام المتلقي عالم البدروم كفضاء اجتماعي يكشف اختلال العلاقة بين من يسكنون في الأعلى ومن يعيشون في الأسفل، ومن هنا يبني قراءته لعالم عاشور، منتقلا به من واقعيته الاجتماعية المباشرة إلى فضاء غرائبي تتداخل فيه الكوميديا بالمأساة، والسخرية بالقبح، عبر أدوات بصرية وأدائية تنحاز بوضوح إلى جماليات الجروتسك.
اقرأ أيضا: مارفل تكشف أبطال فيلم X-Men الجديد.. اعرف تفاصيله
ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري جاء العرض المسرحي «ليالينا»، وتدور الأحداث داخل بدروم يسكنه مجموعة من المهمشين، تجمعهم الأزمات الاقتصادية والقهر الاجتماعي، تحت سلطة «بهيجة»، صاحبة المسكن الثرية، وبين صراعهم من أجل لقمة العيش ومحاولات بعضهم التمرد على واقعهم، تتقاطع أحلام «عزت» الفنية، و«لطفية» الباحثة عن الحرية، ورجائي، الذي انحدر ماديا من طبقة أرستقراطية ظل أسيرا لوجاهتها، وصولا إلى محاولات سكان البدروم الخروج من الواقع الذي فرض عليهم.
ويحتفظ الحضري بشخصيات عاشور وبالبدروم مركزا للأحداث، لكنه ينقلها من واقعية النص الاجتماعي إلى بناء تشكيلي يتمحور حول الرسام واللوحة؛ فعزت يرسم تلك الشخصيات ويمنحها وجودها، قبل أن تنتزع استقلالها تدريجيا، ومن هنا تتشكل دلالة مهمة وهي محاولة الإنسان الخروج من الإطار الذي تشكل داخله، مع بقاء حريته محكومة بحدود اجتماعية ونفسية، لتغدو الخشبة فضاءً يتداخل فيه الواقع والخيال، ويتحول فعل الخلق إلى سؤال عن الإرادة والمصير.
ويعيد العرض تعريف البدروم كفضاء تتقاطع فيه الرغبات والأحلام والصراعات؛ فبهيجة وحدها تنتمي إلى «الأعلى»، ومن موقعها الطبقي تؤثر في مصائر سكان «الأسفل»، بينما يظل العالم العلوي غائبا بصريا، حاضرا بشروطه وآثاره، حيث يجعل من البدروم أيضا فضاءً للحب والحلم والسخرية والخلاص؛ فعزت ولطفية يتشبثان بحبهما، ويكشف تعلق رجائي بوجاهته المفقودة هشاشته أمام المال، والسمكري غارق في محاولة تلبية متطلبات الحياة، بينما يختار فكري ومنيرة الهروب معا من واقع فرض عليهما موقعهما الاجتماعي.
وتتحول السينوغرافيا إلى عنصر درامي يجسد صراع الطبقات وتداعي الذاكرة؛ الديكور الذي صممه محمد عبدالله العشوائي، فالتباين بين أثاث «الأوبيسون» الفاخر وأقفاص الجريد المتهالكة،ومواسير الصرف والرسومات والخيش، يصنع مفارقة بصرية تكشف انهيار «العز القديم» الذي يمثله رجائي، فلا يبقى من ثرائه السابق سوى آثاره، وفي مقابل ثبات الديكور الذي يجذر فضاء «البدروم» أمام تغير المواقف، تمنح الرسوم الحائطية الموجودة بغير انتظام الخشبة طابعها التشكيلي، وتتسع هذه الرؤية عبر توظيف جماليات المدرسة التكعيبية في الديكور، حيث تكشف الأشكال الهندسية والخطوط الحادة تشظي الشخصيات وتناقضاتها الداخلية، وتحول البدروم إلى صورة بصرية موازية لعالمها المضطرب، ولا تأتي الأزياء منفصلة عن هذا البناء التشكيلي، حيث تتحول إلى امتداد للوحة؛ فالأجساد نفسها تبدو كمساحات لونية متحركة، خصوصا في أزياء الشخصيات النسائية التي تتداخل فيها الألوان والنقوش والأشكال، بما يبعد الشخصيات عن الواقعية المباشرة ويمنحها حضورا جروتسكيا، ويتكامل ذلك مع المكياج لمحمد شاكر الذي يضخم العينين والملامح وتعبيرات الوجه، بألوان وآثار صبغة تذيب الشخصيات في فضائها الخرب، مع الحفاظ على تباين الملامح، ليحول الشخصيات إلى تكوينات كاريكاتورية تنسجم مع عالم البدروم المشوه، ويبرز ذلك في بهيجة وفاطمة، حيث تمنح الإكسسوارات والملابس للبنى المنسي ذات الطابع الاستعراضي حضورهما بعدا ساخرا، بينما يكشف الترف الظاهري لبهيجة، داخل فضاء البدروم المتهالك، عن مفارقة بين سلطة تحاول إثبات مكانتها وواقع يشي بانهيارها، وفي المقابل، يحتفظ عزت بمظهر أكثر قربا من الطبيعية، بما يتسق مع موقعه كصانع للصورة وليس شخصية داخلها، بينما تخف حدة التشكيل لدى لطفية وفكري ومنيرة بما يمنحهم خصوصيتهم، حتى في المشهد الأخير لم ينضموا إلى اللوحة.
وهكذا فالأزياء تجعل الجسد نفسه جزءا من السينوغرافيا، فسكان البدروم خرجوا من اللوحة التي يرسمها عزت فهو صانع لهذا العالم؛ إذ يمارس الرسم الافتراضي بالفرشاة في الهواء، ويرش البودرة بوصفها إشارة إلى الحياة والتحريك، ثم يتحركون داخلها وهكذا تبدو الخشبة مرآة حية للفوضى والشتات النفسي ووطأة الزمن.
وتتدخل الإضاءة لأحمد طارق كحلقة وصل درامية، فتبرز الصورة المرسومة على الحائط للشخصية لحظة وقوفها على خشبة المسرح وتوجيه البؤرة إليها، فيبدو الكائن الحي وكأنه ينبثق من لوحته، كما تعمل على عزل الشخصيات دراميا، كما تدعم الإضاءة ذات التدرجات الأرجوانية والصفراء، والغناء والأداء الحركي التداخل بين اللوحة والواقع، وفي النهاية، حين يعيد الرسام اللوحة إلى وضعها الأول، مما يترك لديك تساؤلات حول حدود الخلق والحرية، وحول قدرة الفن على إعادة تشكيل الواقع أو كشفه بوصفه – في جوهره- لوحة قابلة لإعادة التشكيل.
ولا تنفصل هذه الخيارات البصرية عن الأداء؛ فالممثلون يبتعدون عن المحاكاة الطبيعية، ويوسعون الحركة والنبرة والتعبير بما ينسجم مع العالم الجروتسكي، ويقدم أحمد النادي أداءً مرنا ينتقل فيه بين وقار الشخصية وكوميديا الحركة والموقف، ثم الانكسار الداخلي، مستفيدا من أدوات الجسد وملامح الوجه، كما تستثمر الممثلة عاليا الحقباني ” بهيجة “حضورها الجسدي والمكياج في بناء كوميديا قائمة على الحركة وتضخيم الانفعال، مع الحفاظ على «لزمة البرشامة» التي تتحول إلى علامة أدائية مميزة للشخصية، وتستدعي في طرافتها «لزمة العطر يا ولد» الشهيرة لنور الدمرداش في فيلم«عنتر ابن شداد»،
بينما يأتي أداء فاطمة سلسا متدفق وظفت لغة الجسد في إطار كاريكاتوري متدفق لا يفقد وظيفته الدرامية.
اقرأ أيضا: الليلة نسمة محجوب ووسط البلد يلتقيان فى مهرجان القلعة الدولى للموسيقى
وفي المقابل، ينجح مؤدي شخصية عزت في توظيف أدواته لتجسيد الفنان الرافض لعالم «اللي فوق»، والساعي إلى تحقيق حلمه، بينما تجسد دينا السواح “لطفية” أظهرت أداء متماسكا يعتمد على التدرج الانفعالي واللغة الجسدية المتقنة؛ حيث تنتقل بسلاسة بين مشاعر الأمل والانكسار معتمدة على مخارج حروف واضحة وصوت متوازن وحضور صادق وقوي، فيما يكمل باقي الممثلين البناء الجماعي بانسجام يحول دون انفصال الشخصيات عن العالم الذي يجمعها.
ويحسب للعرض توظيفه الجروتسك لكشف تناقضات الواقع؛ فالمبالغة في الوجوه والحركة والملابس تكبر القبح والسخرية، وتدفع المتلقي من الضحك إلى التأمل في أسبابه، لذلك تبدو الكوميديا ذات وجهين: تضحكنا من سلوك الشخصيات، ثم تعيدنا إلى المرارة الكامنة خلفه
وتحضر الموسيقى كجزء من البناء الدرامي؛ فأغنية «ليالينا» تستدعي الحنين وضياع الزمن والتيه، بينما تضيف أغاني عبدالحليم حافظ طبقة من الذاكرة الاجتماعية والثقافية، وتخدم انتقالات الشخصيات والمواقف، ويتكامل ذلك مع «اللوحة الحية»، حيث تتجاوز الشخصيات إطارها المرسوم لتدب فيها الحياة ثم تعود إليه؛ فيتحول الانتقال بين اللوحة والواقع إلى جزء من الصراع حول التحرر من الأدوار المفروضة.
من هنا تتبلور رؤية محمد الحضري لـ«الناس اللي تحت»؛ فلا هي تكرار لنص نعمان عاشور ولا قطيعة معه، إنما هي إعادة قراءة بصرية وتشكيلية تحافظ على جوهره الاجتماعي والإنساني، وتعيد صياغته عبر ثنائيات «فوق» و«تحت»، والماضي والحاضر، واللوحة والواقع، وهنا تتجلى خصوصية «ليالينا»، إذ يتحول البدروم من مكان إلى صورة لعالم يحاصر الإنسان بإطاره، بينما يحاول رسم طريقه إلى الخروج، فيكشف أثر الماضي في الحاضر.
اقرأ أيضا: حكيم وبابلو مفاجأة الموسم السابع من مزيكا صالونات والحلقة الأولى الثلاثاء