بعد مضيق هرمز.. الصين تتطلع إلى طريق الحرير الجليدي في القطب الشمالي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عندما اقترح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو البحث عن ممرات شحن جديدة لتجاوز ازدحام مضيق هرمز، فمن غير المرجح أنه كان يقصد ‘الطريق البحري الشمالي في القطب الشمالي”.

اقرأ أيضا: قرعة بطولة أفريقيا للطائرة الشاطئية تنطلق اليوم بالإسكندرية

 ومع ذلك ازداد الحديث عن وعود هذه القناة البالغ طولها 5500 كيلومتر في الأشهر الأخيرة، والتي شُقت عبر البحار المتجمدة بكاسحات جليد تعمل بالطاقة النووية وتحت شمس لا تغيب عن أفق القطب الشمالي.

أول عبور مجدول للصين عبر الطريق البحري الشمالي

وقد أعربت اليابان وكوريا والهند عن اهتمامها بإرسال بضائع عبر هذا الطريق، لكن الصين كانت السباقة بإطلاق أول عملية عبور مجدولة، حيث دشنت شركة الشحن “سي ليجند” Sea Legend خدمة منتظمة في الأيام الأخيرة، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.

ولا يمكن الملاحة في ممر بحر الشمال، الذي يخترق الدائرة القطبية الشمالية على طول الساحل الروسي، إلا خلال الأشهر الدافئة، لكن هذه الفترة اتسعت نتيجة تقلص الجليد البحري في الصيف. وبالنسبة لبعض السفن يمكن لهذا الممر أن يختصر زمن الرحلة من الصين إلى أوروبا إلى أكثر من النصف، إلا أن هذه المزايا تقابلها مخاطر بيئية وسياسية جسيمة قد تفوق المكاسب.

رحلة تستغرق 18 يوماً فقط

 وبعد رحلة تجريبية واحدة في 2025، أطلقت “سي ليجند” خدمة منتظمة لنقل الحاويات عبر الطريق القطبي الشمالي. وتستغرق الرحلة المباشرة من نينغبو-تشوشان إلى فيليكستو في المملكة المتحدة 18 يوماً فقط، مقارنة بأكثر من 40 يوماً عبر قناة السويس.

وقال خبراء، وفقا للجارديان، إن الطريق مثالي للشحنات الحساسة لدرجة الحرارة مثل السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم ومنتجات الطاقة الشمسية، التي تُعد الصين من أبرز مصدريها عالمياً.

وباعتبارها خدمة الشحن التجاري المنتظمة الوحيدة على هذا الطريق، ستختبر “سي ليجند” ما إذا كانت طموحات بكين الطويلة في القطب الشمالي يمكن أن تتحول إلى طريق تجاري منتظم وقابل للتطبيق بين الصين وأوروبا.

دعم روسي متزايد و”طريق الحرير القطبي”

 دعا الرئيس الصيني شي جين بينج علناً لأول مرة إلى تطوير الصين وروسيا لطرق الشحن في القطب الشمالي وإنشاء “طريق الحرير القطبي”. وكانت موسكو متخوفة في البداية من التوسع الصيني في المنطقة، لكنها أصبحت بعد غزو أوكرانيا تعتمد بشكل متزايد على بكين في أقصى الشمال، مما منح الصين نفوذاً أوسع ووصولاً أكبر.

وتتولى شركة “روساتوم” النووية الحكومية الروسية إصدار تصاريح الملاحة والإشراف على الشحن على طول الطريق، كما توفر كاسحات الجليد النووية اللازمة لمرافقة معظم السفن.

مخاطر بيئية قد تمحو مكاسب الانبعاثات

 وقالت “سي ليجند” إن الطريق القطبي سيقلل الانبعاثات إلى النصف تقريباً بسبب قصر زمن الإبحار بين الصين وأوروبا، لكن الخبراء يحذرون من أن المخاطر البيئية الكامنة قد تمحو بسهولة أي وفورات في الانبعاثات.

فيما واجهت بعض شركات الشحن انتقادات لتشغيلها سفناً تستخدم زيت الوقود الثقيل HFO المحظور في القطب الشمالي منذ 2024.

 وبحسب تقرير لمؤسسة “بيلونا” البيئية في 2025، تشكل انسكابات الوقود مخاطر كبيرة في القطب الشمالي لأن زيت الوقود الثقيل أكثر لزوجة ويصعب تنظيفه، كما يتحلل ببطء في الطقس البارد ويكاد يستحيل إزالته إذا احتبس في الجليد.

ويؤكد التقرير أن روسيا غير مستعدة للتعامل مع كارثة من هذا النوع، إذ أن مسافات ممر بحر الشمال وعزلته تعني أن فرق الإنقاذ قد تحتاج أسابيع للوصول إلى موقع التسرب.

وقال الكابتن نيتين تشوبرا، كبير مستشاري المخاطر البحرية في “أليانز” آسيا: “نظراً لبُعد المنطقة ونقص الدعم اللوجستي، فإن احتمال تعطل الآلات وجنوح السفينة أعلى بكثير، ما يشكل خطر تسرب نفطي في نظام بيئي هش”.

كما حذر “بيلونا” من خطر الكربون الأسود الناتج عن زيت الوقود الثقيل، واصفاً إياه بأنه “من أقوى المواد الماصة للإشعاع الشمسي”، إذ يقلل انعكاسية القطب الشمالي ويزيد امتصاص الحرارة وتفاقم الاحتباس الحراري.

“طريق سريع متجمد” لأسطول الظل الروسي

 وقال لي شياوبين، الرئيس التنفيذي للعمليات في “سي ليجند”، إن الأزمة في الشرق الأوسط كشفت ضعف مضيق هرمز أمام الاضطرابات، ما يزيد الحاجة لطرق تجارية بديلة بين الصين وأوروبا.

وردد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التصريحات ذاتها، وترغب موسكو في إعادة رسم خريطة التجارة العالمية، لكن سيطرتها على ممر بحر الشمال الذي يقع معظمه ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة تُعد مخاطرة كبيرة للشركات.

اقرأ أيضا: الصداع النصفي والجيوب الأنفية.. أعراض متشابهة والفرق في هذه العلامات

وأشارت “أليانز كوميرشال” في مراجعتها لعام 2026 إلى أن العقوبات الدولية على روسيا قد تعقد جهود الإنقاذ في حال تعرض سفينة لمشكلة.

وكشف خبراء أن جزءاً كبيراً من حركة المرور على الطريق يستحوذ عليه “أسطول الظل” الروسي: ناقلات نفط تعمل غالباً بلا تأمين أو رقابة مناسبة للتهرب من العقوبات على النفط الروسي.

 وذكرت كسينيا فاخروسيفا من “بيلونا” أنه في 2025 كان هناك 100 سفينة من هذا النوع خاضعة لعقوبات دولية، أي نحو ثلث السفن التي تبحر في المسار، ومن المتوقع أن تزداد شحنات الأسطول الموازي في 2026 مع اعتدال ظروف الصيف.

تغير المناخ يفتح النافذة

 وقال فينه تاي، أستاذ إدارة الخدمات اللوجستية في جامعة RMIT: “مع تغير المناخ الحالي قد نرى سنوات يكون فيها الطريق البحري الشمالي مفتوحاً للشحن التجاري لفترة أطول”، مشيراً إلى أدلة على حدوث ذلك بالفعل.

فقد تمكنت ناقلة غاز طبيعي مسال روسية من بدء عبور مبكر في مايو بفضل انحسار الجليد، كما رُصدت الأسبوع الماضي قافلة غير مسبوقة من ناقلات النفط الروسية سلكت مساراً شمالياً غير معتاد ومرت على بُعد 500 ميل من القطب الشمالي، ويُقال إنها تحمل نحو 8 ملايين برميل نفط.

ورغم الجهود الروسية للترويج لممر بحر الشمال كبديل عملي، يرى الخبراء أن الجدوى الاقتصادية غير مجدية حالياً. ومن المرجح أن تستمر المخاوف الأمنية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وقصر موسم الإبحار، ومخاطر العقوبات في تقييد حركة الشحن في القطب الشمالي.

وخلص تاي إلى أن أي تسرب نفطي سيكون “كارثة بيئية واقتصادية” ليس لروسيا فقط بل للمنطقة بأسرها.. وختم قائلا”إذن، هل يمكن استخدام الطريق البحري الشمالي كبديل لمضيق هرمز وقناة السويس؟ الإجابة المختصرة هي: لا، ليس في الوقت الحالي”.

اقرأ أيضا: توظيف تقنيات التحول الرقمي والمتابعة المكانية لبناء منظومة حديثة لإدارة الموارد المائية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً