تتفوق الأفلام التسجيلية التي تنطلق من تجربة حية في ازالة المسافة بين المشاهد وصانع العمل، مقارنة بالأفلام الوثائقية التقليدية التي تعتمد على الرصد والتوثيق المحايد.
اقرأ أيضا: أبرز تعديلات التحكيم قبل تطبيقها في الدوري المصري الموسم الجديد
ويندرج الفيلم التسجيلي أبو زعبل 89 للمخرج بسام مرتضى الذي حصل على جائزة جمعية النقاد منذ أيام، تحت هذا النوع من الأفلام التسجيلية التي تقدم محاكاة شخصية من ذاكرة المخرج، لحادث اعتقال الأب أثناء انتفاضة عمال مصنع الحديد والصلب عام 89، والتي تتقاطع مع الحدث العام الأكبر في أسبابه والبحث في تأثيره على أفراد الأسرة، خاصة وأن النتائج لم تعد تخص صاحبها فقط، ولكن امتد تأثيرها إلى جيل الأبناء أيضا.
يقوم الفيلم على حوارغير مباشر بين جيلين، كيف يقرأ الجيل الجديد هزائم وجروح الجيل القديم؟، وهل يرى فيها امتداد مأساوي لقصته الشخصية، أم تجربة مغايرة تماماً يرفض تكرارها؟.
يتجسد هذا السؤال في التناقض الصارخ الذي يفتتح به الفيلم، حيث يبدأ الجدال حين يسأل المخرج والدته، “ليه اخذتيني معاك أشوفه في السجن”، لترد الأم بضرورة وجود مبرر منطقي للغياب، وأن يعلم ابنها أن أباه سجن دفاعا عن قضية.
غير أن الإجابة لا ترمم شرخ الطفولة، ليرد الابن بالحقيقة الأكثر إيلاما، “بس انت دائماً كنت بتقوليلي مش عايزاك تكون زيه”، يضعنا هذا الحوار أمام طفل عاش التشتت بين البطولة المتخيلة للأب، وبين تحذيرات الأم من تكرار المصير نفسه على ابنها.
الفيلم يبتعد عن الأطر التقليدية في تصوير قصة كفاح أحد رموز النضال الوطني فترة السبعينات والثمانينات، لكنه يحيد إلى زاوية أكثر حساسية وتعقيدا، تجمع أبناءهم في خانة واحدة من المشاعر المفقودة بفعل غياب الأب في سن مبكرة جدا لهؤلاء الأبناء، هم فقط يتساءلون عن أسباب الرحيل المفاجيء لمصدر الأمان بالنسبة لهم.
ينطلق السرد البصري للفيلم من اعترافات حميمية وأماكن عائلية مغلقة ترويها والدة المخرج، يضعنا أمام تفاصيل يصعب على أي صانع أفلام خارجي الوصول إليها. هذه الخصوصية الشديدة حملت معها وجعا عميقا لفقدان ذكريات لم تبني من الأساس بين الأب وابنه، ومشاعر انطفاء أبوي لا تعوضها محاولات التواصل.
فيلم أبو زعبل 89، لا يتوقف عند تجربة المخرج الفردية، بل نجح في توسيع دائرة السرد لتشمل قصص اخري مشابهة لأبناء معتقلين آخرين من أصدقاء والده، ليتحول الفيلم من محاكاة لقصة فردية إلى ملحمة جماعية يشترك فيها أبناء نفس القدر.
استخدم المخرج بسام مرتضى تعليقه الصوتي بنبرة حكائية حميمية تتجاوز لغة التوثيق الجاف والشكوى إلى صيغة الفضفضة والتسامح مع الماضي، وإدماج مواد توثيقية شخصية مثل الصور والفيديوهات الشخصية للأسرة أصبحت طرف داعم وحي للذكريات المبتورة بين أفراد العائلة.
اقرأ أيضا: سعيد شيمى يفتح صندوق ذكرياته مع محمد خان: كنا بنفهم بعض من نظرة عين
يتداخل الشخصي مع العام في الفيلم، و تتحول التجربة الفردية إلى مرآة تعكس أزمة اجتماعية وسياسية وتاريخية عاشها جيل كامل،و يعتمد المخرج في إعادة محاكاة الماضي على سرد متواز بين علاقته بوالده وأصدقاء والده وابناءهم بعد مرور سنوات على الحدث، وبين عرض مسرحي فردي يجسده الفنان سيد رجب، أحد رفاق الحبس، ويستعيد هذا العرض طقس الحجز والتأمل الذاتي داخل هذه اللحظة، حين يواجه الأب بسؤال قاسي هل كان يحق له امتلاك أحلام شخصية؟ أم أن الاستغراق في العمل العام والاندماج فيه الغي فرديته.
حاول المخرج أن يكون طرف محايد في القصة، واعطي الفرصة لوالده لتفسير موقفه حتى وإن بدا غير سار، لكن مجرد استجواب الابن لنفسية الأب وفتح الجروح القديمة أعطاهم مساحة مشتركة للبوح والتصالح.
توظيف الفيلم لتفاصيل الحياة اليومية، والالتفاف حول مائدة الطعام، والجلسات العائلية ، والصور القديمة جعل من هذه المفردات العادية أداة لقياس حجم الحرمان الذي خلفه غياب الأب، وتتجلى القوة الحقيقية للفيلم في المفارقة الحادة، بين حميمية البيت المفقود ووحشية المعتقل وجفافه، حيث تصبح أصغر التفاصيل هي الجرح الأكبر.
دعم المخرج البعد الدرامي للفيلم بمشاهد تمثيلية عكست قسوة التجربة، مجسدة حالات صارخة من الوحدة والظلام والقهر خلف جدران قاتمة، وبشخصيات ظهرت كوجوه بلا ملامح أو هوية.
اقرأ أيضا: وزارة العمل تعلن عن وظائف جديدة فى خدمات الأمن بمرتبات تصل لـ20 ألف جنيه