منذ أسابيع كان الإعلان عن إجراء أول انتخابات لنقابة الإعلاميين، وبدء مرحلة جديدة في عمر هذا الكيان المهني المهم، ومن الإنصاف أن نتوقف أمام تجربة امتدت لسنوات، وأن نضعها على ميزان التقييم بموضوعية وعدل، بعيدًا عن المبالغة أو التجريح؛ فالتاريخ لا يُكتب بالانطباعات، وإنما بما قدمته التجارب من عمل وما تركته من أثر.
اقرأ أيضا: إهمال تضخم البروستاتا قد يصل إلى الفشل الكلوي
ومن القواعد التي تعلمناها في الحياة أن الكمال لله وحده، وأنه لا توجد مسؤولية أو تجربة بشرية يمكن أن تحقق النجاح بنسبة مائة بالمائة. ولكل تجربة ما لها وما عليها، لكن يبقى الاجتهاد والعمل وتحمل المسؤولية من أهم المعايير عند التقييم.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، اجتهد كثيرًا خلال سنوات تحمله مسؤولية النقابة، وسعى، بالتعاون مع مجلس النقابة، إلى بناء كيان مهني قادر على أداء دوره في خدمة الإعلاميين وتنظيم المهنة والحفاظ على مكانتها.
نقابة الإعلاميين.. قانون جاء لتنظيم وضبط المشهد الإعلامي
قبل الحديث عن أي إنجاز أو تقييم، هناك حقيقة قانونية لا يجوز تجاوزها، خصوصًا في ظل ما يُثار من وقت إلى آخر من تشكيك في قانونية نقابة الإعلاميين أو في الصفة القانونية لنقيب الإعلاميين.
فنقابة الإعلاميين ليست كيانًا عرفيًا، أو جمعية أهلية، أو مؤسسة أُنشئت بقرار إداري عابر، وإنما هي نقابة منشأة بقانون صادر عن الدولة المصرية.
ففي عام 2016، صدر القانون رقم 93 لسنة 2016 بإصدار قانون نقابة الإعلاميين، الذي أقره مجلس النواب وأصدره رئيس الجمهورية، ونُشر في الجريدة الرسمية، ليضع الإطار القانوني لإنشاء النقابة وتنظيم عملها.
وجاء تأسيس النقابة في مرحلة كان فيها المشهد الإعلامي المصري بحاجة شديدة إلى التنظيم وضبط الممارسة الإعلامية، بعدما شهدت فترات سابقة مظاهر من الانفلات في المشهد الإعلامي، تجاوزت في بعض الأحيان القواعد المهنية والأخلاقية التي يفترض أن تحكم العمل الإعلامي.
فالكثير يتذكر ما كان يحدث في بعض البرامج على الهواء مباشرة من تجاوزات لم تكن تليق بالإعلام المصري ولا بالمشاهد المصري؛ مشاهد وصلت في بعض الأحيان إلى الاشتباك بالأيدي، والتراشق بالألفاظ، والإساءة المتبادلة أمام الجمهور.
ولم يكن من المقبول أن تتحول بعض الشاشات إلى ساحات للخلاف الشخصي، أو أن تُستخدم البرامج في الإساءة إلى الآخرين، أو أن يسمع ويشاهد المواطن المصري ألفاظًا وعبارات لا تليق ببيته ولا بالمهنة التي يفترض أن تكون إحدى أدوات تشكيل الوعي.
ومن هنا جاءت أهمية وجود نقابة للإعلاميين، ليس لتقييد حرية الرأي أو فرض الوصاية على الإعلام، وإنما لتنظيم المهنة وضبط المشهد الإعلامي، ووضع قواعد واضحة للمحاسبة المهنية، وحماية الإعلامي الملتزم بميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني، وفي الوقت نفسه محاسبة من يتجاوز القواعد المهنية والأخلاقية.
وهذا هو الفارق بين تنظيم المهنة ومصادرة الرأي؛ فالإعلامي يظل حرًا في رأيه وموقفه، لكن هذه الحرية لا تعني أن تتحول الشاشة إلى مساحة مفتوحة للإهانة أو التجاوز أو انتهاك حقوق الآخرين.
من القانون إلى التأسيس.. ومن حمدي الكنيسي إلى طارق سعده
لم يكن قانون نقابة الإعلاميين مجرد نص على الورق، وإنما وضع منظومة متكاملة لتنظيم مهنة الإعلام، وحدد أهداف النقابة واختصاصاتها وشروط القيد وممارسة المهنة وحقوق الأعضاء وواجباتهم.
كما نص القانون على تشكيل لجنة مؤقتة تتولى إجراءات تأسيس النقابة، وصدر بالفعل قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 573 لسنة 2017 بتشكيل اللجنة المؤقتة التي باشرت إجراءات التأسيس.
وكان الإعلامي الكبير الراحل حمدي الكنيسي أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بمرحلة تأسيس النقابة، وتولى رئاسة اللجنة التأسيسية والنقابة في بداياتها.
وبعد قبول استقالة الإعلامي الراحل حمدي الكنيسي، نقيب الإعلاميين، بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 18 لسنة 2019، صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1295 لسنة 2019، الذي نص على تولي الإعلامي الدكتور طارق سعده، وكان حينها وكيل نقابة الإعلاميين، القيام بأعمال رئيس اللجنة المؤقتة التي تتولى مباشرة إجراءات تأسيس نقابة الإعلاميين، والمشكلة بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 573 لسنة 2017، ونص القرار على صفته «نقيب الإعلاميين».
ومن هنا، فإن أي حديث عن قانونية النقابة أو الصفة القانونية لنقيب الإعلاميين يجب أن ينطلق من القانون والقرارات الرسمية المنظمة لمرحلة التأسيس، وليس من الانطباعات أو المعلومات غير الموثقة.
طارق سعده.. سنوات من العمل واستكمال البناء المؤسسي
ومن هذه المرحلة التأسيسية بدأت مرحلة جديدة من العمل النقابي، وعندما نتحدث عن تجربة الدكتور طارق سعده ومجلس النقابة، فلا بد أن نضعها في سياقها الصحيح؛ فقد تولوا المسؤولية في مرحلة لم يكن المطلوب فيها إدارة كيان مستقر ومكتمل الهياكل، وإنما استكمال بناء مؤسسي، ووضع نظم عمل وقواعد تنظيمية ومهنية لكيان حديث النشأة.
وعلى مستوى تنظيم المهنة، شهدت النقابة خطوات في ملف القيد والتصاريح، لتنظيم أوضاع العاملين في الحقل الإعلامي المرئي والمسموع بالقطاعين الرسمي والخاص، في الشعب الخمس: التقديم، والإخراج، والإعداد، والتحرير، والمراسلة، بما يسهم في حماية المهنة من الدخلاء ومنتحلي الصفة.
ومن الملفات المهمة أيضًا إنشاء المرصد الإعلامي التابع للنقابة، لمتابعة أداء الإعلاميين، ورصد مدى الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني.
ميثاق الشرف ومدونة السلوك.. لماذا المحاسبة؟
ومن أهم ما يجب فهمه عند الحديث عن دور نقابة الإعلاميين أن وجود ميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني ليس إجراءً شكليًا، وإنما يمثلان أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الممارسة الإعلامية المهنية.
وقد شهدت السنوات الماضية اتخاذ النقابة إجراءات بحق إعلاميين ومذيعين تجاوزوا القواعد المهنية، ووصل الأمر في أكثر من واقعة إلى المنع والإيقاف والتحقيق، بسبب مخالفات تتعلق بميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني.
وهنا لا ينبغي أن ينظر البعض إلى هذه الإجراءات باعتبارها تضييقًا على الإعلاميين، بل باعتبارها تطبيقًا لقواعد المهنة نفسها.
فكما أن الطبيب يخضع لقواعد مهنته، والمحامي يخضع لقواعد المهنة، وغيرهما من أصحاب المهن، فإن الإعلامي أيضًا يجب أن تكون له قواعد تحكم أداءه، خصوصًا عندما يكون على شاشة يشاهدها الملايين.
إن حرية الإعلام لا تعني الفوضى، وحرية الرأي لا تعني الإساءة، والشاشة ليست ساحة للشتائم أو تصفية الحسابات الشخصية.
والإجراء النقابي تجاه المخالفة المهنية لا يستهدف شخص الإعلامي، وإنما يستهدف المخالفة نفسها، ويحمي في الوقت ذاته حق الجمهور في إعلام محترم، وحق الإعلاميين الملتزمين في ممارسة مهنتهم داخل إطار واضح.
الخدمات.. من الإسكان إلى الحج والرعاية الطبية
وعلى مستوى الخدمات، فتحت النقابة عددًا من الملفات التي كانت تمثل حلمًا للكثير من الإعلاميين.
ففي ملف الإسكان، تمكنت النقابة من توفير وحدات سكنية ووحدات مصيفية للأعضاء في عدد من المشروعات، من بينها وحدات بمدينة العلمين الجديدة، ومشروع سكن مصر بحدائق أكتوبر، ومشروع جنة مصر بمدينة السادس من أكتوبر، ومشروع جنة مصر بالقاهرة الجديدة، إلى جانب مشروع ظلال بمدينة الشروق، الذي يجري استكمال إجراءاته وتسليمه للأعضاء.
كما شهد ملف الحج اهتمامًا واضحًا من خلال توفير فرص للحج للأعضاء وأسرهم والحاصلين على تصاريح مزاولة المهنة، بأسعار مخفضة، بما أتاح لعدد من الزملاء أداء فريضة الحج.
أما الملف الطبي، فقد شهد توسعًا من خلال بروتوكولات تعاون مع عدد من معامل التحاليل والجهات الطبية، بما وفر خدمات وتخفيضات مهمة للأعضاء وأسرهم.
الجامعات والأزهر.. الاستثمار في بناء الإعلامي
ومن الملفات التي تستحق التوقف أمامها أيضًا اهتمام الدكتور طارق سعده بتعزيز التعاون بين النقابة والمؤسسات التعليمية والأكاديمية، من خلال توقيع عدد من بروتوكولات التعاون مع الجامعات المصرية والمؤسسات التعليمية، بما يخدم تدريب جيل من الإعلاميين وتأهيلهم، ويفتح مجالات للتعاون العلمي والمهني وتبادل الخبرات.
اقرأ أيضا: وزيرا خارجية مصر وتشاد يبحثان تعزيز العلاقات وتنسيق المواقف بشأن أزمات السودان وليبيا
وامتد هذا التعاون إلى مؤسسة الأزهر الشريف، بما لها من مكانة علمية وتاريخية كبيرة، في إطار مواجهة الشائعات: التكامل بين المؤسسات الدينية والإعلامية لتحصين المجتمع ضد الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة.
دعم معركة الوعي: إبراز الدور الوطني والمسؤولية المجتمعية في نشر الفكر المعتدل ومحاربة التطرف .
وكان من أحدث هذه الخطوات توقيع بروتوكول تعاون بين نقابة الإعلاميين والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، في أغسطس 2026، بما يفتح مجالات للتدريب والتأهيل والتعاون العلمي، إلى جانب الاستفادة من البرامج الأكاديمية في تطوير مهارات الإعلاميين.
وهذه البروتوكولات، في تقديري، تمثل جانبًا مهمًا من العمل النقابي؛ لأن النقابة لا ينبغي أن يكون دورها مقتصرًا على القيد والتصاريح وتنظيم وضبط المشهد الإعلامي فحسب، وإنما يجب أن تعمل أيضًا على تطوير قدرات جيل من الإعلاميين ورفع مستواهم المهني والعلمي.
مواجهة الشائعات والكيانات الوهمية
وجاء إنشاء مركز مكافحة الشائعات ضمن استراتيجية نقابة الإعلاميين لمواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، باعتباره مركزًا متخصصًا في تقصي الحقائق والتحقق من المعلومات، والرد على المحتوى المضلل الذي يستهدف خداع الرأي العام أو إثارة الفتن وزعزعة الاستقرار.
كما يضطلع المركز بمواجهة ما يُعرف بالمنشورات «الدوارة»، من خلال رصد المحتوى المضلل المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتحقق منه والتصدي لما قد يتضمنه من معلومات غير صحيحة أو مغلوطة من شأنها الإضرار بالسلم والأمن العام.
ويأتي إنشاء المركز باعتباره أحد المشروعات التي أطلقتها النقابة خلال السنوات الأخيرة، انطلاقًا من إدراكها لأهمية التصدي للأخبار الكاذبة والمعلومات غير الصحيحة التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما قد تسببه من ارتباك لدى الرأي العام، أو نشر حالة من الإحباط، أو التأثير سلبًا في وعي المواطنين.
وفي السياق نفسه، فتحت النقابة ملف منتحلي صفة الإعلامي والكيانات الوهمية، واتخذت إجراءات للحفاظ على المهنة من العبث، والتصدي لمن يحاولون استغلال اسم الإعلام دون سند قانوني أو مهني.
كلمة أخيرة
لقد كانت السنوات الماضية مليئة بالعمل والاجتهاد، وربما اختلف البعض مع بعض القرارات أو الرؤى، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة بشرية ومؤسسية.
لكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك جهدًا بُذل، ووقتًا وُظف، ومحاولات جادة لبناء عمل نقابي منظم يخدم الإعلاميين ويحافظ على المهنة.
وعند تقييم تجربة الدكتور طارق سعده ومجلس النقابة، فإن الإنصاف يقتضي أن نذكر ما تحقق في الملفات الخدمية والمهنية والتنظيمية، وأن نضع التجربة في سياقها التاريخي والتأسيسي، بعيدًا عن المبالغة أو التجريح.
وختامًا، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي شهد عهده إنشاء نقابة الإعلاميين ككيان مهني وقانوني طال انتظاره، كما أتوجه بالشكر إلى الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، والإعلامي محجوب سعده، والإعلامية سهام صالح، والإعلامية النائبة نادية مبروك، والإعلامي خالد فتوح، والإعلامي أيمن عدلي، والإعلامية ريهام إبراهيم، ولكل من شارك في هذه المسيرة، على ما بذلوه من وقت وجهد وعطاء خلال سنوات إدارة نقابة الإعلاميين.
قد تختلف الآراء، وقد تختلف التقييمات من شخص إلى آخر، لكن يبقى العمل والاجتهاد والإنجاز هو ما يسجله التاريخ.
وفي النهاية تبقى نقابة الإعلاميين مؤسسة مهنية وقانونية وُلدت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، واستكملت خطوات تأسيسها وفق القانون، وتحمل اليوم مسؤولية كبيرة تجاه الإعلام المصري والإعلاميين، وستظل بحاجة إلى جهود أبنائها وتكاتفهم من أجل تطويرها وتعزيز دورها، والحفاظ على مهنة كانت وستظل واحدة من أهم أدوات بناء الوعي.
اقرأ أيضا: القبض على سيدة ادعت تحرير محاضر كيدية ضدها ببني سويف