زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة لا تبدو مجرد زيارة رسمية بين دولتين، وإنما تحمل في توقيتها ومضمونها دلالات سياسية واقتصادية وحضارية عميقة، خصوصاً مع مرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية منذ عام 1956م، وما شهدته هذه العلاقات من تطور إلى شراكة استراتيجية شاملة.
اقرأ أيضا: مصرع ربة منزل صدمها قطار في ملوي جنوب المنيا
فمصر والصين ليستا دولتين تجمعهما المصالح السياسية والاقتصادية فقط، ولكن هما حضارتان من أقدم حضارات العالم .
فنجد أوجه الشبه بينهما كبير في صناعة التاريخ، بالنسبة لمصر نجد ضفاف نهر النيل نشأت الحضارة المصرية القديمة، وبالنسية للصين نجد ضفاف النهر الأصفر واليانغتسي ازدهرت الحضارة الصينية، وفي كلتا التجربتين لعب العلم والهندسة والتنظيم وبناء الدولة دوراً أساسياً.
ومن أهم صور التقارب الحضاري بين البلدين عجائب الدنيا السبع في العالم تتمثل في الأهرامات المصرية وسور الصين العظيم، فالهرم الأكبر بالجيزة هو العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، بينما نجد في دولة الصين سور الصين العظيم واحداً من أعظم الإنجازات الهندسية والحضارية في التاريخ.
ورغم اختلاف الزمان والمكان، فإن كليهما يعكس قدرة الإنسان على تحويل المعرفة والإرادة إلى إنجاز يبقى شاهداً على عظمة الحضارة.
واليوم تعود العلاقة المصرية الصينية إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالمستقبل من خلال التعاون في التجارة والاستثمار والصناعة والطاقة والنقل والتعليم والتكنولوجيا والثقافة.
وذلك من خلال امتلاك مصر موقعاً استراتيجياً يجعلها بوابة مهمة للأسواق العربية والأفريقية، بينما تمتلك الصين قوة صناعية وتكنولوجية هائلة، وهو ما يفتح مجالاً واسعاً لشراكات تتجاوز التجارة التقليدية إلى الإنتاج ونقل التكنولوجيا.
وأرى أيضًا من أهم الملفات التي يمكن أن تمنح التعاون الاقتصادي المصري الصيني دفعة نوعية في المرحلة المقبلة من نتائج الزيارة هو صناعة الرقائق الإلكترونية باعتبارها إحدى الصناعات الاستراتيجية التي أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي للدول.
فالعالم لم يعد ينظر إلى الرقائق باعتبارها مجرد مكونات صغيرة تدخل في صناعة الهواتف والحواسيب، وإنما باعتبارها أساساً لصناعات السيارات الكهربائية والاتصالات والذكاء الاصطناعي والأجهزة الطبية والصناعات الدفاعية ومختلف تطبيقات الاقتصاد الرقمي.
وفي هذا المجال تستطيع مصر أن تستفيد من الخبرات والتكنولوجيا والاستثمارات الصينية في بناء قاعدة صناعية تدريجية تبدأ بتجميع واختبار وتغليف الشرائح والمكونات الإلكترونية، ثم تتوسع مستقبلاً نحو مراحل إنتاج أكثر تقدماً، بالتوازي مع تأهيل الكوادر المصرية وربط الجامعات ومراكز البحث العلمي بالصناعة.
والنتيجة الاقتصادية الأهم هي أن تطوير هذا القطاع يمكن أن يساعد مصر على جذب استثمارات تكنولوجية جديدة، وزيادة القيمة المضافة للصادرات، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المكونات الإلكترونية، وخلق وظائف نوعية للشباب في مجالات الهندسة والبرمجيات والإلكترونيات، فضلاً عن تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعات التكنولوجيا يخدم الأسواق العربية والأفريقية.
وهنا تبرز أهمية التعاون المصري الصيني، لأن الشراكة الحقيقية لا ينبغي أن تقتصر على استيراد المنتجات الصينية، وإنما يجب أن تتجه بصورة أكبر نحو الإنتاج المشترك ونقل المعرفة والتكنولوجيا وتوطين الصناعة، بما يجعل مصر شريكاً في سلاسل القيمة العالمية وليس مجرد سوق للمنتجات.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية في ظل التحولات التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي، حيث أصبحت التكنولوجيا والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي من أهم عناصر القوة الاقتصادية للدول.
ولذلك فإن التعاون في هذه المجالات يمكن أن يمثل أحد أهم محاور المرحلة الجديدة من العلاقات المصرية الصينية بعد الزيارة الحالية.
اقرأ أيضا: انفجارات تهز إيران.. هجمات على مدن تشابهار وكتارك وجاسك جنوب البلاد
لكن من ناحية البعد الحضاري يظل هو الرابط الأعمق بين البلدين، لأن احترام التاريخ والثقافة يمكن أن يكون جسراً أكثر استدامة من المصالح السياسية المتغيرة.
فالمصري حين يقف أمام الأهرامات يرى تاريخاً يمتد لآلاف السنين، والصيني حين يقف أمام سور الصين العظيم يرى ذاكرة أمة استطاعت أن تحافظ على هويتها وتواصل بناء مستقبلها.
لذلك فإن زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة يمكن أن تكون فرصة لتجديد هذا الإرث وبناء مرحلة جديدة من الشراكة، تنتقل فيها العلاقات من قوة التاريخ إلى قوة التكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة.
فإذا كان الهرم الأكبر وسور الصين العظيم قد تركا للعالم إرثاً خالداً من الماضي، فإن التحدي أمام مصر والصين اليوم هو أن تتركا للأجيال القادمة إرثاً جديداً من التنمية والصناعة والتكنولوجيا والسلام.
وعندما تلتقي القاهرة وبكين، نجد حضارتين عريقتين لا تستعيدان التاريخ فقط ولكن تستطيعان معاً صناعة مستقبل أكثر تطوراً تكون فيه المعرفة والتكنولوجيا جسراً جديداً بين مصر والصين.
اقرأ أيضا: جمالها الذي لا ينطفئ.. جمال يراه الرجل ولا يعرف كيف يشرحه