أمراض المرارة، على رأسها حصوات المرارة والتهاباتها، من المشكلات الصحية الشائعة عالمياً، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن ما بين 10% و15% من البالغين يعانون من حصوات المرارة، مع ارتفاع معدلات الإصابة بين النساء والأشخاص الذين يعانون من السمنة أو اضطرابات التمثيل الغذائي. وتُسجَّل سنوياً ملايين الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً، فيما تُعد جراحة استئصال المرارة من أكثر العمليات الجراحية شيوعاً حول العالم. وتُظهر الإحصاءات أن نحو 20% من المصابين بالحصوات قد يتطور لديهم التهاب حاد أو مضاعفات خطيرة، مثل التهاب البنكرياس، وهي حالات قد تصل نسبة الوفيات فيها إلى 5% إذا لم تُعالج بشكل عاجل.
وتعمل منظمة الصحة العالمية على الحد من انتشار أمراض المرارة عبر تعزيز برامج مكافحة السمنة والسكري، وهما من أبرز عوامل الخطر، إضافة إلى نشر إرشادات للوقاية من الأمراض غير السارية التي ترتبط مباشرة بارتفاع معدلات الإصابة بحصوات المرارة. كما تشجع المنظمة الدول على تحسين الوصول إلى خدمات التشخيص المبكر، خصوصاً باستخدام الأشعة الصوتية التي تُعد الوسيلة الأكثر فعالية للكشف عن الحصوات قبل تطور المضاعفات.
مبادرات مكافحة السمنة
تبذل وزارة الصحة جهوداً واسعة للحد من انتشار أمراض المرارة ومضاعفاتها، من خلال برامج وطنية تستهدف تحسين نمط الحياة، مثل مبادرات مكافحة السمنة وعيادات التغذية في المراكز الصحية. كما توفر الوزارة خدمات تشخيصية متقدمة في المستشفيات والمراكز المتخصصة، وتعمل على رفع الوعي الصحي عبر حملات توعوية تركز على التغذية السليمة وتقليل الدهون المشبعة وزيادة النشاط البدني. وتُعد المملكة من الدول المتقدمة في مجال جراحات استئصال المرارة بالمنظار، إذ تُجرى هذه العمليات بنسب نجاح عالية وبمضاعفات منخفضة.
وتسهم الجمعيات الصحية المتخصصة في دعم الجهود الوطنية، مثل الجمعية السعودية للجهاز الهضمي التي تنظم مؤتمرات وبرامج تدريبية للأطباء حول أحدث طرق علاج أمراض المرارة، والجمعية السعودية للغذاء والتغذية التي تقدم برامج توعوية حول الأنماط الغذائية الصحية. كما تعمل مبادرات مجتمعية مختلفة على تعزيز الوعي بأهمية الوقاية من السمنة، باعتبارها أحد أهم مسببات حصوات المرارة.
وتؤكد الجهات الصحية أن الوقاية من أمراض المرارة تبدأ من تبني نمط حياة صحي يشمل الحفاظ على وزن مناسب، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول غذاء متوازن قليل الدهون المشبعة، إضافة إلى المتابعة الطبية عند ظهور أعراض مثل ألم الجانب الأيمن العلوي، أو الغثيان، أو اليرقان. وتظل الوقاية والتشخيص المبكر حجر الأساس في الحد من مضاعفات هذا المرض الشائع، وتعزيز جودة الحياة لدى الأفراد.
كيف يحدث الالتهاب
استشاري الجراحة العامة وجراحة أورام القولون الدكتور عبدالرحمن سعود العتيبي يقول: إنه على الرغم من أن المرارة عضو صغير إذ لا يتجاوز وزنها 50 غراماً وسعتها 100 ملليلتر، فإن دورها في عملية الهضم أساسي، إذ تعمل كمخزن للعصارة الصفراوية التي ينتجها الكبد وتفرغها في الأمعاء الدقيقة عند تناول الطعام، خصوصاً الوجبات الدسمة، لتسهيل هضم الدهون وامتصاصها. ورغم هذا الدور الحيوي، قد تتحول المرارة إلى مصدر ألم شديد عندما تتعرض للالتهاب، وهي حالة شائعة تستدعي تقييماً طبياً دقيقاً وقد تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً في بعض الأحيان. ويُعد وجود حصوات المرارة السبب الأكثر شيوعاً لالتهابها، إذ يشكل نحو 95% من الحالات، حبث تسد إحدى الحصوات القناة المرارية فيحتبس السائل الصفراوي داخل المرارة ويرتفع الضغط الداخلي ويبدأ الالتهاب وتزداد احتمالية الإصابة لدى من يعانون من السمنة، أو التقدم في العمر، أو الحمل، أو فقدان الوزن السريع، أو الصيام الطويل، إذ تؤثر هذه العوامل في تركيز العصارة الصفراوية وتزيد من فرص تكوّن الحصوات. وفي نحو 5% من الحالات قد يحدث الالتهاب دون وجود حصوات، خصوصاً لدى المرضى المنومين أو بعد العمليات الكبرى، وهو ما يعرف بالتهاب المرارة غير الحصوي الناتج عن خلل في صمام القناة المرارية وارتفاع الضغط داخلها.
الفرق بين القولون والارتجاع
الدكتور العتيبي يقول: إنه عند انسداد القناة المرارية تتجمع العصارة داخل المرارة ويزداد الضغط ويتهيج الجدار الداخلي ويتطور الالتهاب وقد يصاحبه التهاب بكتيري. ويظهر الألم عادة في الجزء العلوي الأيمن من البطن، ويكون شديداً ومستمراً ويزداد بعد تناول الوجبات الدسمة، وقد يمتد إلى الكتف الأيمن أو أعلى الظهر بسبب ما يعرف بالألم المُحال الناتج عن تشارك الأعصاب بين الحجاب الحاجز والكتف.
ويُعد التفريق بين ألم المرارة وألم المعدة أو القولون أو ارتجاع المريء خطوة أساسية، إذ تشير الدراسات إلى أن أربعة من كل خمسة مرضى يتحسنون بعد استئصال المرارة، بينما لا تختفي الأعراض لدى نحو 20% منهم، ما يؤكد أهمية التاريخ المرضي وطبيعة الألم وتوقيته والعوامل التي تخففه، فعلى سبيل المثال ألم المعدة الناتج عن القرحات يتمركز في أعلى منتصف البطن ويتحسن غالباً مع الطعام أو مضادات الحموضة ولا يمتد عادة إلى الكتف. كما قد تتشابه الأعراض مع أمراض أخرى مثل التهاب البنكرياس أو الكبد أو القنوات المرارية أو أمراض الرئة اليمنى أو القلب أو حصوات الكلى، ما يجعل التشخيص الطبي عبر الفحص السريري والأشعة، خصوصاً «السونار»، ضرورة لا غنى عنها.
التدخل الطبي في الوقت المناسب
استشاري الجراحة الدكتور العتيبي، يرى أن استئصال المرارة بالمنظار العلاج الأمثل في معظم الحالات، وهو إجراء آمن وفعال يتم عبر فتحات صغيرة دون الحاجة إلى جراحة تقليدية. وبعد العملية تختفي الأعراض المرتبطة بالمرارة، ولا تعود الحصوات إلا نادراً في القنوات المرارية، ويستطيع المريض العودة إلى حياته الطبيعية، وقد يلاحظ بعض التغيرات البسيطة والمؤقتة في الهضم التي تتحسن مع الوقت.
وفي النهاية، يُعد التهاب المرارة حالة شائعة لكنها قد تكون مؤلمة ومزعجة، كما أن تمييز أعراض التهاب المرارة عن أمراض أخرى مثل التهاب المعدة أو القولون العصبي أو ارتجاع المريء أمر بالغ الأهمية، وتبقى الوقاية عبر نمط حياة صحي والتشخيص المبكر والتدخل الطبي في الوقت المناسب هي الأساس لتجنب المضاعفات واستعادة جودة الحياة.
النساء أكثر عرضة للإصابة
استشاري الجهاز الهضمي والمناظير الدكتور عبدالله العنزي، يرى أن المرارة تلعب دوراً أساسياً في عملية الهضم، إذ تعمل على تخزين العصارة الصفراوية التي ينتجها الكبد بشكل مؤقت، ثم تفرزها عند تناول الأطعمة الدهنية لتساعد على هضمها بالتعاون مع أنزيمات أخرى في الجهاز الهضمي. ورغم صغر حجم هذا العضو، إلا أن أمراضه تُعد من أكثر مشكلات الجهاز الهضمي شيوعاً، وعلى رأسها حصوات المرارة التي تُعد السبب الأكثر انتشاراً لآلام الجانب الأيمن العلوي من البطن، خصوصاً بعد تناول الوجبات الغنية بالدهون. كما قد تؤدي هذه الحصوات إلى التهاب المرارة الحاد أو انسداد القنوات الصفراوية، وهي مضاعفات تتطلب تدخلاً طبياً سريعاً.
ويضيف العنزي: تُعد النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المرارة مقارنة بالرجال، نتيجة تأثير الهرمونات الأنثوية على وظيفة المرارة، إضافة إلى الحمل والولادة، إلا أن الرجال أيضاً معرضون للإصابة وإن كانت النسبة أقل. ويتميز التهاب المرارة الحاد بوجود التهاب واضح في غشاء المرارة، ما يؤدي إلى ألم مستمر في الجهة اليمنى العلوية من البطن يستمر لفترة أطول من مغص المرارة المعتاد، وغالباً ما يصاحبه ارتفاع في درجة الحرارة وزيادة في عدد كريات الدم البيضاء ومؤشرات الالتهاب في الدم.
اصفرار الجلد والعينين
وعن العوامل التي تزيد من احتمالية الإصابة بالتهاب المرارة، يقول الدكتور العنزي: من الأسباب التقدم في العمر، والجنس الأنثوي، والحمل والولادة، والسمنة، وفقدان الوزن السريع، ومرض السكري، إضافة إلى بعض الأدوية مثل موانع الحمل. كما يُعد ظهور اليرقان (اصفرار الجلد والعينين) علامة مهمة تستدعي التقييم الطبي العاجل، إذ قد يشير إلى انسداد في القنوات الصفراوية أو التهاب شديد في المرارة، وفي حالات نادرة قد يدل على وجود أورام في المرارة أو القنوات الصفراوية، كما أن هناك أسباباً أخرى غير مرتبطة بالمرارة قد تسبب اليرقان، ما يجعل التشخيص الدقيق ضرورة ملحّة.
ويُسمح للمصابين بحصوات المرارة غير المصحوبة بالتهاب بالصيام ما لم توجد أسباب طبية أخرى تمنعهم، بينما يُعد الصيام جزءاً من علاج التهاب المرارة الحاد لأنه يخفف العبء عن المرارة. ويزداد الألم بعد تناول الوجبات الدسمة لدى مرضى الحصوات أو الالتهاب بسبب انقباض المرارة لإفراز العصارة الصفراوية اللازمة لهضم الدهون. لذلك يُنصح المرضى خلال فترة الالتهاب بتجنب الأطعمة الغنية بالدهون والاعتماد على الأطعمة قليلة الدسم التي تُعد الخيار الأفضل لهم.
الحل النهائي.. الجراحة
أخصائي الطب والجراحة مدير العيادات الخارجية بمستشفى الملك عبدالعزيز بجدة الدكتور أحمد منشي يقول: إن حالة المرارة تصبح طارئة عندما يحدث التهاب حاد مصحوب بألم شديد في أعلى البطن، خصوصاً في الجهة اليمنى، مع ارتفاع في درجة الحرارة وغثيان أو قيء، وقد يظهر أحياناً اصفرار في الجلد أو العينين، ما يدل على تأثر القنوات الصفراوية. كما تُعد الحالة طارئة إذا حدث انسداد في القنوات الصفراوية أو التهاب في البنكرياس، وهي مضاعفات خطيرة تستدعي التدخل الطبي العاجل. ويحتاج المريض إلى استئصال عاجل للمرارة في حالات الالتهاب الحاد أو عند حدوث مضاعفات مثل انفجار المرارة أو تكوّن خراج أو انسداد القنوات الصفراوية، إضافة إلى تكرار نوبات الألم الشديدة التي لا تستجيب للعلاج. ويمكن علاج بعض حالات الالتهاب البسيطة مؤقتاً بالمضادات الحيوية والمسكنات، وتبقى الجراحة الحل النهائي والأكثر فعالية في أغلب الحالات، خصوصاً عند وجود حصوات تسبب تكرار الالتهاب.
هل نعيش دون «مرارة»؟
ويوضح أخصائي الطب والجراحة الدكتور أحمد منشي أن فترة التعافي تستغرق بعد استئصال المرارة بالمنظار -وهو الإجراء الأكثر شيوعاً- من أسبوع إلى أسبوعين ليتمكن المريض من العودة إلى حياته الطبيعية، بينما قد تطول فترة التعافي قليلاً في حال الجراحة التقليدية. أما تأجيل العملية فقد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تشمل الالتهاب المتكرر، أو انفجار المرارة، أو انسداد القنوات الصفراوية، أو التهاب البنكرياس، وهي حالات قد تهدد حياة المريض إذا لم تُعالج سريعاً. ورغم أهمية المرارة في تخزين العصارة الصفراوية، فإن الإنسان يستطيع العيش بشكل طبيعي تماماً دونها، إذ يستمر الكبد في إنتاج العصارة اللازمة للهضم، لكن يُنصح في الفترة الأولى بعد العملية بتقليل الدهون وتنظيم الوجبات حتى يتأقلم الجسم تدريجياً.
خلاصة
أمراض المرارة شائعة وقابلة للعلاج والوقاية. ويبقى التشخيص المبكر واختيار العلاج المناسب وتبني نمط حياة صحي هي الركائز الأساسية لتجنب المضاعفات واستعادة جودة الحياة.