أكد محمد اليمني، خبير العلاقات الدولية، أنه بالنظر إلى المشهد الاستراتيجي قبيل انطلاق أعمال قمة حلف شمال الأطلسي، فإن أوروبا الغربية تدخل الاجتماعات وهي تواجه تحدي غير مسبوق يتعلق بمستقبل الناتو نفسه، أكثر من كونه مجرد خلاف عابر حول نسب الإنفاق الدفاعي.
وأوضح اليمني في تصريحات خاصة لـ”مصر تايمز” أن المعادلة لم تعد محصورة في نقاش مالي بين واشنطن والعواصم الأوروبية، بل أصبحت مرتبطة بإعادة صياغة موازين القيادة داخل الحلف لا سيما مع التقارب النسبي في بعض الملفات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، وهو ما يمنح أنقرة هامش أوسع للمناورة ويضع القوى الأوروبية التقليدية في موقف أكثر تعقيداً.
العبء الأكبر للدفاع عن أوروبا
وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أن قدرة القادة الأوروبيين على كبح توجهات ترامب ستكون محدودة، مفسراً ذلك بأن الرئيس الأمريكي لطالما تبنى رؤية تقوم على أن الولايات المتحدة تحملت العبء الأكبر للدفاع عن أوروبا لعقود طويلة، وأن الوقت قد حان لكي تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية أمنها بصورة أكبر، بناء على ذلك، فإن أي ضغوط أوروبية مهما بلغت لن تغير جوهر هذه الرؤية إلا إذا قدمت أوروبا التزامات واضحة بزيادة الإنفاق العسكري وتعزيز قدراتها الدفاعية بشكل ملموس.
في المقابل، تدرك العواصم الأوروبية أن أي تقليص كبير للدعم العسكري الأمريكي سيترك فجوة استراتيجية يصعب تعويضها على المدى القصير، خاصة في ظل استمرار التوتر مع روسيا، والتحديات الأمنية الممتدة من شرق أوروبا إلى البحر الأسود والشرق الأوسط.
ولهذا السبب، ستسعى أوروبا إلى تقديم تنازلات سياسية ومالية للحفاظ على الالتزام الأمريكي بالحلف، لكنها في الوقت نفسه ستواصل العمل على بناء قدرات دفاعية أوروبية أكثر استقلالاً، تحسباً لأي تغيرات مستقبلية في السياسة الأمريكية.
تركيا.. لاعب لا يمكن تجاوزه
أما فيما يتعلق بدور تركيا، فقد أكد محمد اليمني أن أنقرة أصبحت لاعباً لا يمكن تجاوزه داخل الناتو فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، وتتحكم بموقع جغرافي بالغ الأهمية يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود، فضلاً عن كونها شريك لا غنى عنه في ملفات الهجرة الطاقة والأمن الإقليمي ومن هنا، فإن أي تقارب بين ترامب وأردوغان يمنح تركيا ثقلاً تفاوضياً إضافياً، ويحد من قدرة بعض الدول الأوروبية على فرض رؤيتها داخل الحلف.
ومع ذلك، لا يرى اليمني أن الناتو قد أصبح أمرًا واقعًا بمعنى فقدان أوروبا القدرة على التأثير في مستقبله، وإنما يمر الحلف بمرحلة إعادة توزيع للأدوار والنفوذ. فالولايات المتحدة ستظل القوة العسكرية الأولى داخله لكنها ستطالب الأوروبيين بدفع تكلفة أكبر، بينما ستسعى تركيا إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري، في حين تحاول أوروبا الحفاظ على وحدتها ومنع انتقال مركز الثقل بالكامل إلى واشنطن وأنقرة.
وبناء على هذه المعطيات، من المرجح أن تخرج القمة بتفاهمات مؤقتة أكثر من كونها حلولاً نهائية، حيث قد يتم الاتفاق على رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وتعزيز الصناعات العسكرية داخل القارة، مع استمرار الالتزام الأمريكي بالحلف ولكن بشروط أكثر صرامة. أما الخلافات الجوهرية حول مستقبل القيادة، فمن المتوقع أن تستمر خلال السنوات المقبلة لكونها تعكس تحولات أعمق في النظام الدولي، حيث لم يعد الحلف يعمل وفق المعادلات التي حكمته منذ نهاية الحرب الباردة.
واستبعد اليمني أن ينجح القادة الأوروبيون في تغيير توجهات ترامب بصورة جوهرية، لكنهم قد ينجحون في احتواء آثارها وتأجيل التصعيد عبر تقديم تنازلات مدروسة، وأن الناتو لا يتجه نحو الانهيار، بل نحو مرحلة جديدة يعاد فيها توزيع النفوذ والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا، بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الدولية.
إعادة هيكلة.. لا تفكك
وفي تقدير الخبير الدولي، لا يمكن القول إن حلف شمال الأطلسي يعيش مرحلة تفكك بالمعنى التقليدي فالبيئة الأمنية الحالية خاصة في ظل استمرار التوتر مع روسيا، تجعل من الصعب على أي دولة عضو أن تغامر بإضعاف الحلف أو الانسحاب من منظومته الدفاعية.
فالتهديدات الأمنية المشتركة لا تزال تمثل عاملاً أساسياً يحافظ على تماسك الناتو، كما أن القدرات العسكرية والاستخباراتية التي يوفرها الحلف لا يمكن تعويضها بسهولة قائلا: ”نحن أمام مرحلة إعادة هيكلة حقيقية داخل الحلف، تقودها متغيرات سياسية واستراتيجية جديدة.”
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدفع باتجاه إعادة تعريف العلاقة مع حلفائه الأوروبيين، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن واشنطن لا ينبغي أن تتحمل العبء الأكبر وأن على الدول الأوروبية زيادة إنفاقها العسكري، وبالتالي، فإن ما يطرحه ترامب ليس مجرد ضغط مالي بل مشروع لإعادة توزيع الأعباء والنفوذ.
وفي الوقت نفسه، تسعى تركيا بقيادة أردوغان إلى استثمار موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية ونفوذها الإقليمي لتعزيز مكانتها إذ لم تعد أنقرة تكتفي بدور العضو التقليدي، بل تريد أن تكون شريك رئيسي في صياغة القرارات المتعلقة بأمن البحر الأسود، الشرق الأوسط وشرق المتوسط وهو ما يمنحها ثقل متزايد في أي ترتيبات مستقبلية.
أما أوروبا الغربية، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة فمن جهة تحتاج إلى استمرار المظلة الأمنية الأمريكية، ومن جهة أخرى تدرك أن الاعتماد الكامل على واشنطن بات يحمل مخاطر سياسية، خصوصاً مع تغير الإدارات الأمريكية وتبدل أولوياتها لذلك، تعمل العواصم الأوروبية بالتوازي على تعزيز صناعاتها الدفاعية وبناء قدرات عسكرية أكثر استقلالية، دون الوصول إلى مرحلة القطيعة مع الولايات المتحدة.
سيناريوهات المستقبل
إن المشهد الافتتاحي للقمة لا يعكس حلفاً منهاراً، لكنه لا يعكس أيضاً ذلك التماسك المطلق الذي كان يميز الناتو خلال العقود الماضية، نحن أمام تحالف يعيد ترتيب أولوياته وأدوار أعضائه بما يتلاءم مع التحولات الدولية، حيث تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتتغير طبيعة التهديدات، وتبرز قوى إقليمية تمتلك تأثيراً أكبر في معادلات الأمن العالمي.
ويرى اليمني أن مستقبل الناتو سيتحدد بناءً على الصيغة الجديدة لتوزيع المسؤوليات والقيادة إذا نجح الأعضاء في التوصل لصيغة متوازنة، سيخرج الناتو أكثر قوة وقدرة على التكيف مع المتغيرات، إذا استمرت الخلافات حول التمويل والقيادة والأولويات الاستراتيجية، فإن الحلف سيظل قائماً، ولكنه سيكون أقل انسجاماً وأكثر عرضة للتجاذبات السياسية بين أعضائه.
واختتم محمد اليمني تصريحاته قائلاً: «إن ما نشهده اليوم ليس تفككاً للحلف بقدر ما هو مرحلة انتقالية تعاد فيها صياغة موازين القوة والنفوذ داخله، في ظل إصرار واشنطن على فرض قواعد جديدة، وسعي أنقرة إلى توسيع دورها، ومحاولة أوروبا الحفاظ على مكانتها كشريك رئيسي في المنظومة الأطلسية».