لم يسعدنى زمانى بمعرفة الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد، كما لم تتقاطع سنينى مع وزيرة الثقافة السابقة الدكتورة جيهان زكى.
ورغم اهتماماتى الثقافية العديدة إلا أننى أم أحظ بفرصة قراءة أيا من الكتب التى تقولان أنهما قامتا بتأليفها.
بعد الضجة التى أثيرت على خلفية اتهام الدكتورة جيهان زكى بالسطو على أحد كتب سهير عبد الحميد، بحثت عن الكتابين، وأطلعت عليهما وقرأتهما أكثر من مرة، وهما ” قوت القلوب الدمرادشية.. سيدة القصر” لسهير، و” كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين” لجيهان، فوجدتهما للحقيقة كتابان بائسانللغاية، ومتافهتان حتى حدود التهافت، فتعجبت من كل هذه الضجة، فالجنازة حارة والميت كتابان عاديان، يمكن أن نعبر عليهما دون أن نخسر شيئا.
لكن ليست هذه هى القضية فى كل الأحوال.
خلال الشهور الماضية صالت سهير عبد الحميد وجالت للحصول على حقها، وهو أمر محمود، فمن يعتقد أن له حقا، فلابد أن يظل متمسكا بالوصول إليه.
لكن الغريب أن الوزيرة ظلت صامتة طوال هذه الشهور، لم تدافع عن نفسها، ولم تدفع التهمة الشائنة بعيدا عنها، لم تفسر ما حدث، ولا حتى تبرر ما جرى، ولم تنطق إلا بعد أن اضطرت لتقديم استقالتها على خلفية صدور حكم النقض الذى يؤيد حق سهير ويطعن فى ذمة الوزيرة الثقافية والفكرية بشكل لا يحتمل اللبس.
الغريب أن الوزيرة تحدثت بعد خروجها من الوزارة، وقالت فى بيان أرسلت به إلى الصحف والمواقع الإليكترونية أنها لن تصمت، وبنص ما قالته: أعتزم من الآن فصاعدا ممارسة حقى الكامل فى الرد على الدعوى المدنية التى أعتبرها ملفقة منذ يومها الأول، وسأستمر فى الأخذ بكافة السبل التى يكفلها القانون، بما فى ذلك التماس إعادة النظر فى الأحكام، ليس رغبة فى الدخول فى خصومة مع أى طرف، وإنما دفاعا عن حقى كمواطنة وعالمة مصريات ومحاضرة دولية وصاحبة اصدارات محلية ودولية عديدة ومتنوعة.
قد يكون منصب جيهان زكى الوزارى ظلمها وقيدها، فلم تتحرك بحرية لإثبات ما تقول أنه حقها الذى ستدافع عنه.
وقد يهتم الجميع الآن بما يعلن عن هذه القضية، ما يصدر عن الطرفين، بيان الحكومة وبيان وزير الدولة للإعلام وبيان الوزيرة، والفرح البلدى الذى أقامته سهير عبد الحميد ابتهاجا بصدور حكم محكمة النقض لصالحها، لكننى أهتم أكثر بما خفى من فصول هذه القضية.
لا أتحدث عما يقال الآن عن وجود كاتب شبح، هو من قام بمراجعة الكتاب واعداده، وهو المسئول الحقيقى عن المأزق الذى وجدت فيه الوزيرة نفسها، وأنه أهمل فى عمله رغم حصوله على 500 يورو مقابل المراجعة والتحرير، لأنه على فرض أن هذا ما حدث فإنه لا يعفى الوزيرة من المسئولية.
الغريب فى الأمر أن الوسط الثقافى لدينا يعانى من حاالة نفاق غريبة، فرغم أن الجميع يعرفون من هو الكاتب الشبح، إلا أحدا لا يصرح باسمه، رغم أنه معروف للجميع، وهو الكاتب الصحفى سيد محمود المحرر الثقافى بمؤسسة الأهرام، ولا يحتاج أحد إلى دليل على ذلك، فقد كتب سيد مقدمة مطولة لكتاب وزيرة الثقافة وأثنى عليها وعلى ما كتبته.. بما يعنى أنه كان متورطا فى المسألة المعقدة من البداية ولم يكن أبدا بعيدا عنها.
ما يهمنى هو ما جرى بعد صدور حكم الاستئناف ضد الوزيرة.
فقد عرفت أنه جرت محاولات كثيرة من وسطاء لتتنازل سهير عبد الحميد عن دعواها ضد الوزيرة، مقابل ترضية مناسبة.
فى أحد جولات الوساطة طلبت سهير عبد الحميد من الوسيط أن تصبح رئيسة لتحرير جريدة الأهرام مقابل التنازل، ورغم أن الطلب غريب، فسهير ليست كاتبة سياسية، وليست مؤهلة على الإطلاق لشغل هذا المنصب، رغم أنها سيدة خمسينية، إلا أنه تم التعامل مع طلبها بجدية، ونقل الوسيط ما أرادته سهير إلى الوزيرة، التى راحت تسأل عن إمكانية تنفيذ ذلك، إلا أن الرد كان عليها قاطعا بالنفى، فمؤسسة الأهرام ليست محلا للتفاوض ولا ترضية أحد، وتم رفض الطلب.
حاولت الوزيرة البحث عن حل وسط، فاقترحت أن تتولى سهير رئاسة تحرير مجلة “نصف الدنيا ” التى تصدر عن مؤسسة الأهرام، دون أن تدرى أن مجلة “نصف الدنيا” تم ضمها إلى مجلة “البيت” وترأس تحريرها الآن الكاتبة الصحفية سوسن مراد عز العرب، لكن هذا الطلب تم رفضه أيضا، وهو ما أصاب سهير بالإحباط، فلم تتنازل عن القضية، واستمرت فيها حتى صدر الحكم ضد الوزيرة.
هذه الواقعة إن صحت تؤكد لنا أن هذا الصراع الذى دام شهورا طويلة لم يكن نزيها أبدا.
فلا يمكن لأحد أن يعفى وزيرة الثقافة من المسئولية سواء كانت هى من وقعت فى خطأ الاقتباس، أو أن سيد محمود هو من فعل ذلك، فالكتاب عليه اسمها، وقد شعرت بذلك ولذلك لجأت إلى التفاوض مع سهير سواء كان برغبتها أو من خلال إقناع الوسطاء لها به.
ولا يمكن لأحد أيضا أن يعفى سهير عبد الحميد من الغرض الذى هو مرض، فقد بدا من طلبها رئاسة تحرير الأهرام أنها كانت تسعى لتحقيق أكبر قدر من المكاسب من وراء ما وجدت وزيرة الثقافة متورطة فيه، وقد رفضت عروض كثيرة للترضية لأنها فيما يبدو لم تكن مناسبة، أو تحقق طموحها من هذه القضية، التى كانت مثل اللقمة الطرية التى أمسكت بها ولم تفلتها.
للأسف الشديد لم نكن أمام معركة ثقافية أو أزمة فكرية، ولكننا كنا أمام مهزلة كاملة، وأعتقد أنها لم تنته بعد، فالفضائح فى طياتها كثيرة.
فلا يستطيع أحد أن يتنبأ بما سوف يحدث، فالوزيرة أعلنت أنها لن تصمت، بما يعنى أن هناك جولة جديدةفى هذه المعركة، ولا يعرف أحد ما الذى يمكن أن تسفرعنه، ولأننا لسنا طرفا فى هذه المعركة الهزيلة، فليس علينا إلا انتظار ما ستسفر عنه الأحداث.. وإنا لمنتظرون.





