تدخل أوروبا مرحلة جديدة من إعادة التسلح، لكن هذه المرة من بوابة البحار، مع تصاعد المخاوف من التهديدات الروسية التي لا تستهدف السفن والموانئ فقط، بل تمتد إلى الكابلات البحرية وخطوط الطاقة والبنية التحتية الحيوية الموجودة في أعماق البحار.
اقرأ أيضا: الهلال السعودى يتفق مع أرسنال على ضم مارتينيلى
وتكشف بيانات أوروبية أن فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا أصبحت القوى الرئيسية التي تقود صناعة الدفاع البحري داخل الاتحاد الأوروبي، حيث استحوذت الدول الأربع على نحو 82% من قيمة الإنتاج البحري الدفاعي للاتحاد خلال عام 2025، بينما تمثل مجتمعة نحو 87% من القاعدة الصناعية الأوروبية في هذا القطاع، وفقا لصحيفة لاراثون الإسبانية.
ويأتي هذا التوسع في وقت تشهد فيه ميزانيات الدفاع الأوروبية ارتفاعًا غير مسبوق، مدفوعة بالحرب الروسية في أوكرانيا وتزايد المخاوف من انتقال التهديدات إلى المجال البحري. وبلغ الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي 418 مليار يورو في 2025، بزيادة 20% عن العام السابق، فيما يُتوقع أن يرتفع إلى 454 مليار يورو خلال 2026، بما يعادل نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.. قلب الصناعة البحرية
تتصدر فرنسا المشهد الأوروبي في إنتاج معدات الدفاع البحري، بعدما بلغت حصتها نحو 37% من إجمالي إنتاج مركبات الدفاع البحري في الاتحاد خلال 2025. وجاءت ألمانيا وإيطاليا في المرتبة التالية بنسبة 19% لكل منهما، بينما ساهمت إسبانيا بنحو 8%.
ولا يقتصر التفوق على بناء السفن، إذ أصبحت الغواصات واحدة من أهم مجالات المنافسة العسكرية الأوروبية، حيث تمثل نحو 27% من إنتاج الدفاع البحري للاتحاد، فيما تستحوذ الدول الأربع نفسها على نحو 93% من صادرات المعدات البحرية الدفاعية الأوروبية.
وتتعاون شركات وصناعات بحرية كبرى من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا في مشاريع مشتركة، من بينها مشروع European Patrol Corvette، في محاولة لبناء قدرات أوروبية مشتركة بدل الاعتماد الكامل على المعدات القادمة من خارج القارة.
بولندا ودول البلطيق.. إنفاق أكبر بسبب روسيا
وبينما تهيمن الدول الغربية الكبرى على صناعة الدفاع البحري، يظهر وجه آخر للخريطة عند احتساب الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وتتصدر بولندا دول الاتحاد الأوروبي في هذا المؤشر، بإنفاق دفاعي يعادل 4.48% من الناتج المحلي، تليها ليتوانيا بنحو 4%، ثم لاتفيا بـ3.73% وإستونيا بـ3.38%.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن الدول الثلاث الأخيرة تقع على خط المواجهة الجغرافي مع روسيا أو حليفتها بيلاروسيا، ما يجعل أمن بحر البلطيق أولوية مباشرة بالنسبة إليها. أما ألمانيا، فقد ضاعفت تقريبًا نسبة الناتج المحلي التي تخصصها للدفاع منذ عام 2021، لترتفع من 1.27% إلى 2.14%، فيما تستهدف برلين الوصول إلى إنفاق دفاعي سنوي يبلغ 162 مليار يورو بحلول عام 2029.
المعركة لم تعد فوق سطح البحر
لم تعد استراتيجية الدفاع البحري الأوروبية تركز فقط على السفن الحربية والغواصات. فالكابلات البحرية وخطوط أنابيب الطاقة والمنشآت الموجودة في قاع البحر أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن القومي الأوروبي.
وتعتمد أوروبا بصورة هائلة على البحر في تجارتها وإمداداتها من الطاقة واتصالاتها الرقمية. ولذلك فإن أي عملية تخريب تستهدف كابلًا بحريًا أو خط أنابيب يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة اقتصادية وأمنية واسعة.
وزادت المخاوف الأوروبية بعد سلسلة من الحوادث التي طالت بنية تحتية بحرية في بحر البلطيق، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطة عمل لأمن الكابلات البحرية عام 2025، بالتوازي مع مهمة «Baltic Sentry» التي أطلقها حلف شمال الأطلسي لتعزيز المراقبة في المنطقة.
اقرأ أيضا: العنف يشتعل فى سبتة.. محتجون يحرقون مخيما للمهاجرين «فيديو»
مليارات لحماية قاع البحر
وفى إطار هذا التحول، خصصت المفوضية الأوروبية في فبراير 2026 حزمة بقيمة 347 مليون يورو لتعزيز البنية التحتية البحرية، إلى جانب مبادرة مستقلة للمراقبة المحيطية بقيمة 92 مليون يورو.
كما تتجه أوروبا إلى استخدام تقنيات أكثر تطورًا تشمل الطائرات والمركبات غير المأهولة، وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي لرصد أي نشاط مشبوه تحت سطح البحر. ويعكس ذلك تحول مفهوم الأمن البحري من حماية الموانئ والممرات التجارية إلى مراقبة المجال البحري بأكمله، بما في ذلك المناطق التي يصعب الوصول إليها.
أوروبا تريد حماية نفسها بقدراتها
وتكشف موجة الإنفاق الحالية عن هدف أوسع من مجرد زيادة عدد السفن والغواصات؛ إذ تسعى أوروبا إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على تلبية احتياجاتها بنفسها، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في المجالات الاستراتيجية.
لكن الخبراء يحذرون من أن تركيز القدرات الصناعية في أربع دول فقط يمثل نقطة ضعف محتملة، لأن الأمن البحري الأوروبي يحتاج إلى مشاركة أوسع من الدول الأعضاء، وسلاسل توريد أكثر قدرة على الصمود، وأنظمة عسكرية متوافقة وقابلة للعمل معًا.
وبينما تتجه أوروبا إلى مضاعفة استثماراتها الدفاعية، يبدو أن البحر سيكون إحدى أهم ساحات المنافسة المقبلة؛ ليس فقط بسبب الغواصات والسفن الحربية، وإنما لأن الكابلات والطاقة والتجارة والاتصالات الرقمية أصبحت جميعها جزءًا من معركة الأمن الأوروبي في مواجهة التهديدات الهجينة الروسية المتزايدة.
اقرأ أيضا: «أنت كل ما يهمنى».. قصة رسالتين عاطفيتين بين ترامب وناتالى هارب