قدم الدكتور صالح زمانان من السعودية، ضمن الجلسة الخامسة للمحور الفكري بالدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ورقة بحثية بعنوان «الإقليم كحدث فرجوي: الهوية وذاكرة المكان في أفق التجريب»، تناول خلالها العلاقة المركبة بين الإقليم الثقافي وذاكرة المكان والهوية داخل التجربة المسرحية المعاصرة.
اقرأ أيضا: نفاد تذاكر حفل نغمات على دفتر الأيام لتكريم عائلة الحجار بمعهد الموسيقى
وانطلق زمانان من سؤال الهوية بوصفها خبرة حية لا تتشكل خارج التجربة، وإنما تتكون داخل الفعل المسرحي نفسه، من خلال التفاعل بين المكان والجسد والصوت والصورة والجمهور.
وأوضح أن التحولات السياسية والاقتصادية والبيئية والتقنية والثقافية المتسارعة جعلت الهوية عملية مفتوحة على التأويل وإعادة التكوين، وهو ما يفرض على المسرح البحث عن أدوات جديدة للتعامل مع الذاكرة والانتماء والمكان.
واستند في إطاره النظري إلى أفكار المفكر الفرنسي إدغار موران حول التعقيد والديالوجيك، بما يسمح بتجاور عناصر قد تبدو متناقضة، مثل الذاكرة والتحول، والمحلي والكوني، والخصوصية والانفتاح، داخل حركة واحدة منتجة للمعنى.
كما استدعى أطروحات الباحث الألماني هانس-تيس ليمان حول مسرح ما بعد الدراما، التي تنظر إلى العرض المسرحي بوصفه بنية متعددة العلامات، يتوزع فيها المعنى بين النص والجسد والصوت والضوء والفضاء والتقنيات والحضور الحي.
ورأى زمانان أن تقاطع هذين الأفقين يفتح المجال أمام المسرح التجريبي لتحويل التعقيد الهوياتي إلى تجربة جمالية محسوسة، مؤكداً أن الإقليم الثقافي لا ينبغي النظر إليه باعتباره موقعاً جغرافياً فقط، وإنما بوصفه حاملاً للرموز والطقوس واللغة والعمارة والذاكرة والحساسيات المتراكمة.
واختبر الباحث هذا التصور من خلال نموذجين عربيين، أولهما عرض «نوستالجيا» للمخرج أمين ناسور، حيث يتحول الموقع الأثري المغربي إلى فضاء أدائي، تستيقظ داخله طبقات الذاكرة عبر الحركة والإضاءة والموسيقى ومسار الجمهور.
وأوضح أن المكان في هذا النموذج لا يؤدي وظيفة الخلفية، بل يصبح عنصراً مشاركاً في صناعة الحدث المسرحي وإنتاج الدلالة، حيث تتفاعل العمارة مع أجساد المؤدين وحركة المتلقين لتكوين تجربة فرجوية خاصة.
أما النموذج الثاني، فتمثل في «ملحمة صهيل» التي قدمت في حي الطريف بالدرعية، حيث تتقاطع ذاكرة التأسيس السعودية مع الشعر والصوت والجسد والتقنيات الحديثة والعمارة التاريخية.
اقرأ أيضا: غادة رجب لـ اليوم السابع: دار الأوبرا منارة الفن فى الوطن العربى
وأشار زمانان إلى أن التجربتين تكشفان قدرة المسرح التجريبي على إعادة بناء العلاقة بالمكان، وتحويله من فضاء صامت إلى عنصر فاعل في صناعة المعنى.
وأكد أن المكان يحمل ذاكرته الخاصة، وأن المسرح يستطيع استدعاء هذه الذاكرة وتحويلها إلى طاقة جمالية وحاضرة داخل العرض، بحيث لا يصبح الماضي مجرد موضوع للحكي، بل مادة حية تتفاعل مع الحاضر.
واختتم زمانان مداخلته بالتأكيد على أن التجريب يتيح إعادة ترتيب العلاقة بين المكان والذاكرة والهوية، وتحويل الماضي إلى طاقة للحاضر وأفق للممكن، مشيراً إلى أن الإقليم الثقافي يمكن أن يصبح «حدثاً فرجوياً» حين تدخل عناصره المادية والرمزية في نسيج العرض المسرحي.
وبذلك يتحول المكان، في أفق التجريب، من مجرد خلفية للأحداث إلى شريك في إنتاجها، ومن ذاكرة صامتة إلى حضور حي يشارك في تشكيل التجربة الجمالية.
اقرأ أيضا: الوقوف دقيقة حداد على أرواح شهداء بنى سويف بندوة المهرجان التجريبى